مقالات

التربية الواعية قبل السلطة المطلقة

بقلم – محمد سالم سليمان الفيفي- صحيفة بصمة اون لاين

ليست الأسرة جدرانًا تجمع أفرادًا تحت سقف واحد، ولا صلة دمٍ تفرض بذاتها بقاء المودة، بل هي توازن دقيق بين العدل والرحمة، وبين الحزم والاحتواء، وبين القيادة والمساحة التي تسمح لكل فرد أن ينمو إنسانًا كاملًا لا ظلًّا باهتًا لإرادة غيره. وحين يختل هذا التوازن، لا تنهار الأسرة دفعة واحدة، بل تتصدّع بصمت، كما يتشقّق البناء من داخله قبل أن يراه العابرون.

وفي كثير من البيوت لا يكون السبب إهمالًا صريحًا بقدر ما يكون فهمًا خاطئًا لمعنى الأبوة؛ حين تُختزل في أوامر يجب تنفيذها، وفي سلطة لا يجوز مراجعتها أو معارضتها، فيتحول البيت من بيئة تربية إلى مساحة امتثال، ويصبح الأبناء منفذين لا شركاء في بناء حياتهم.

الأبوة في جوهرها ليست قدرةً على فرض الإرادة، بل قدرة على صناعة أشخاص قادرين على اتخاذ القرار حين يغيب الأب، لكن بعض الآباء يظنون أن نجاحهم يقاس بسرعة الطاعة وغياب النقاش، فينشأ الأبناء وهم يبدون منضبطين في الظاهر، بينما يفتقدون في الداخل الثقة التي تمكّنهم من الاختيار. وحين تمتد الصرامة إلى كل تفاصيل الحياة، حتى ما هو شخصي بحت كاختيارات التخصص الدراسي أو الزواج، تتحول الصرامة من وسيلة توجيه إلى وصاية دائمة، فتنتج أشخاصًا مترددين يخشون الخطأ أكثر مما يبحثون عن الصواب.

وقد يبدو المشهد الخارجي في غاية التنظيم والانضباط، لكن الحقيقة أن هذا الانضباط يقوم على الخوف لا على النضج، والخوف لا يبني علاقات طويلة الأمد، بل يصنع صمتًا مؤقتًا ينهار عند أول فرصة للاستقلال.

ولا يقف الخلل عند حدود السلطة المباشرة، بل يمتد إلى التطفيف في المشاعر، وهو من أخطر ما يضرب كيان الأسرة؛ فالابن لا يقيس حب والديه بالكلمات، بل بطريقة توزيع الاهتمام والإنصاف العاطفي. وحين يشعر بعض الأبناء بأنهم أقل حضورًا أو تقديرًا، يتكوّن في داخلهم جرح صامت، قد يتحول إلى انسحاب داخلي أو إلى تمرّدٍ يحاول إثبات الذات خارج إطار الأسرة. وهكذا يبدأ التصدع من الداخل، في بيت قد يبدو للناس متماسكًا بينما تتآكل روابطه بصمت لا يراه أحد.

ويزداد الأمر تعقيدًا حين يُقدَّم الدين بطريقة تخلو من الحكمة والموعظة الحسنة، فيتحول من معنى يبعث الطمأنينة إلى أداة ضبط قسرية. فالتجريم المطلق لما هو مباح، ومنع الترفيه البريء باسم الخوف على الأبناء، لا ينهي الرغبة بل يؤجلها، وما يُمنع دون توضيح السبب يعود غالبًا بشراهة حين تتاح حرية الاختيار.

وقد ينشأ الأبناء في أجواء صارمة تحاصر كل مساحة بسيطة من المباحات، حتى يصبح أول ما يفعلونه بعد الاستقلال هو الغرق في تلك المساحات نفسها، لا حبًا فيها، بل تعويضًا عن سنوات طويلة من الكبت. والنتيجة أن أعمارًا ثمينة تضيع في ردود فعل عنيفة كان يمكن تجنبها لو وُجد التوازن منذ البداية.

الأمر ذاته يظهر في بعض صور الإكراه الديني، حين تُفرض الممارسات التعبدية دون بناء علاقة وجدانية معها، فيرتبط الدين في ذاكرة الأبناء بالشعور بالضغط لا بالسكينة. وقد يلتزم الشاب ظاهريًا ما دام تحت سلطة أسرته، لكنه يبتعد تمامًا حين يستقل، لأنه لا يهرب من القيم بقدر ما يهرب من التجربة القاسية المرتبطة بها.

والدين الذي يُقدَّم كعصا لا يورث طمأنينة، بل يزرع نفورًا يصعب إصلاحه لاحقًا، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَ﴾ {آل عمران:159}.

والأشد إيلامًا حين يتحول الغضب إلى عنف يُمارس باسم التربية أو الغيرة على الدين، فتُهان الكرامة تحت ستار الإصلاح. فالضرب أو الإذلال لا يبني إنسانًا مستقيمًا، بل يكسر الرابط العاطفي الذي كان يفترض أن يحميه من الانحراف. وقد تترك لحظة واحدة جرحًا يمتد عقودًا، لأن الإنسان قد ينسى الكلمات لكنه لا ينسى اللحظة التي شعر فيها بأن كرامته سُحقت داخل المكان الذي كان يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا له.

وهنا تتبدى المفارقة القاسية؛ فالفعل الذي قُصد به التقويم قد ينتهي إلى قطيعة طويلة، وربما إلى حياة متعثرة كان الأصل أن تحميها الأسرة لا أن تدفعها إليها.

ويخطئ من يظن أن الهيبة تُبنى بالخوف؛ فالخوف يضمن الطاعة ما دام مصدره حاضرًا، أما الاحترام فيبقى حتى في الغياب. والابن الذي يُربّى على الحوار قد يختلف، لكنه لا يقطع، بينما الابن الذي يُربّى على القهر قد يصمت طويلًا، لكنه يرحل حين تسنح له الفرصة.

ولهذا تبدو بعض الأسر مستقرة في ظاهرها، بينما تعيش في داخلها متفرقةً بلا رابطٍ نفسيٍّ صحيح يشدّها، لأن الصمت ليس دائمًا علامة رضا، بل قد يكون مجرد هدنة طويلة يخشى الجميع كسرها.

إن الأسرة لا تحتاج إلى مزيد من السلطة بقدر ما تحتاج إلى حكمة في استخدام السلطة، ولا إلى أوامر أكثر بقدر ما تحتاج إلى إنصاف أعمق. فالمهمة الحقيقية للأبوة ليست أن تبقى الإرادة الواحدة مركز كل قرار، بل أن تُعلِّم الأبناء كيف يختارون ويخطئون ويتعلمون دون خوف.

والدين ليس قيدًا يُفرض، بل معنى يُكتشف ويُحب. وحين يدرك الأبوان أن العدل في المشاعر جزء من التربية، وأن الرحمة لا تعني ضعفًا، وأن الحزم لا يعني إلغاء شخصية الأبناء، يمكن للأسرة أن تبقى متماسكة حتى في اختلافاتها. أما حين تتحول الأبوة إلى سلطة مطلقة، والدين إلى وسيلة ضبط لا روح فيها، فإن البيت قد يبدو قائمًا من الخارج، لكنه يحمل في أساسه لَبِنةَ التصدّع منذ اللحظة الأولى.

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
الرياض – حي الملك عبد الله
1447هـ الموافق /2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى