مقالات

الصَّمتُ وميزانُ المكانةِ

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

في العلاقات الإنسانية، لا يُقاس الانتصار دائمًا بعلوّ الصوت ولا بسلامة الحجّة، بل كثيرًا ما يُقاس بقدرتك على الامتناع حين يكون الكلام ممكنًا، وبضبط نفسك حين تكون الاستجابة متوقعة.

وهنا تتبدّى الحكمة القديمة القائلة: «إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»، لا بوصفها تقريرًا أخلاقيًا مطلقًا، بل باعتبارها أداة تأثير خفيّة تُحدث في النفوس ما لا تُحدثه الخطب ولا المجادلات.

فالسكوت ليس فراغًا، بل فعلٌ كامل، يحمل رسالة صامتة قد تكون أبلغ من التبرير، وأقسى من العتاب، وأعمق أثرًا من المواجهة. حين يُساء إليك عمدًا، أو يُقصد جرحك بقولٍ فظّ أو تصرّف جارح، فإن الكلام – مهما كان صحيحًا – يمنح الطرف الآخر ما يريد: ردّة فعل، أو انفعالًا، أو حتى محاولة تبرئة. أما السكوت الواعي، المصحوب بثبات النبرة وحضور النظر، فيسحب من المسيء أدواته واحدةً بعد أخرى، ويتركه وحيدًا أمام فعله.

وفي حالات كثيرة، يكون الصمت أشد وقعًا من التبرير، حتى لو كان التبرير حقًّا خالصًا. لأن التبرير يخفف العبء عن الضمير، بينما السكوت يُبقي الفعل عاريًا، بلا تفسير ولا مخارج. ومع إدامة النظر، يتحول الصمت إلى مرآة؛ يرى فيها المسيء نفسه كما هي، لا كما يحب أن يراها. عندها يبدأ الاضطراب، ثم يتفلت الغضب، ويعلو الصوت، ويُكشف ما كان مخبوءًا. وليس رفع الصوت هنا دليل قوة، بل علامة فقدان السيطرة، وانهيار آخر خطوط الدفاع.

ومع ذلك، فهذه القوة ليست مطلقة، ولا تُستعمل على وتيرة واحدة. فالناس لا يُعاملون سواسية، ولا تُدار الخصومة بمعيار واحد. القرب يفرض ميزانه، والمكانة تحدد الأسلوب. فالخصومة مع الأخ ليست كالخصومة مع زميل العمل، والاختلاف مع الأخت ليس كعدم التوافق مع الأم.

وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنزلوا الناس منازلهم»، وهي قاعدة لا تتوقف عند التقدير في الخطاب، بل تمتد إلى الغضب، والسكوت، والعتب، وحتى إلى اختيار الصمت نفسه.

فالسكوت مع الغريب قد يكون حكمة.
ومع الزميل سياسة.

ومع المتربص سلاحًا.
لكنه مع القريب قد يتحول إلى قسوة إن لم يُضبط بالرحمة.

وهنا تتجلى الفروق الدقيقة بين صمتٍ يُفكك الخصومة، وصمتٍ يُصان به الود.

وهكذا يتبيّن أن قيمة الصمت لا تُقاس بالفعل نفسه، بل بالنية التي تقف خلفه، وبالمقام الذي يُمارَس فيه.

هناك نوع من السكوت لا ينتصر على الآخر، بل ينقذه من نفسه، ويحفظ العلاقة دون أن يُهدر الكرامة. وهو الفرق بين صمتٍ يُستخدم لإرباك الخصم، وصمتٍ يُمارس لاحتواء القريب.

الأول أداة سيادية تُستعمل بحذر، والثاني خُلُق لا يبلغه إلا من قدّم العلاقة على نشوة الانتصار.

في المحصلة، ليست العبرة بالكلام ولا بالسكوت في ذاتهما، بل بمعرفة المقام. فالقوة الحقيقية أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ولمَن تصمت، وكيف تصمت.

ذلك أن بعض الانتصارات تُكسبك موقفًا.
وبعضها يحفظ لك إنسانًا.

وأجملها… ما جمع بين الأمرين دون ضجيج.

الصَّمتُ وميزانُ المكانةِ

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

Views: 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى