الناس للناس… والدنيا بخير!

بقلم – صالح الريمي – صحيفة بصمة اون لاين
غيث شاب كرس حياته لتكفيف دموع المحتاجين والمنكسرين والمعدمين، فكان ولازال بسمة أمل على الشفاه دون أن يعلم أحد هويته، وجميلة عبارته: “الناس للناس… والدنيا بخير” عندما يختم حديثة في برنامج “قلبي أطمأن” ..
والعبارة آراها ليست شعارًا مثاليًا، بل حاجة وجودية، وليست جملة عابرة، بل فلسفة حياة، ودستور علاقة إنسان بإنسان، حين يكون الإنسان سندًا لأخيه الإنسان، ورحمةً لضعيفه، وكتفًا لمن أثقلته الأيام، عندها فقط تستقيم الدنيا.
فالإنسان لا يُشفى وحده، ولا يفرح وحده، ولا يحزن وحده، حتى أقسى الناس في أعماقه يبحث عمّن يفهمه، والدنيا بخير طالما أن هناك من يقول: “هل تحتاج شيئًا؟” وطالما أن هناك من يشعر بالمسؤولية تجاه إنسانٍ لا يعرف اسمه، وطالما أن الرحمة ما زالت أقوى من القسوة، ولو في زوايا خفية ..
في صباحٍ بارد، خرج أبو أحمد إلى عمله متثاقلًا، فراتبه بالكاد يكفي، والديون تطرق بابه كل شهر، مرَّ بالمخبز، فاشترى كيس خبزٍ لبيته، ثم لمح عند الباب رجلًا مسنًا يقلب جيوبه الفارغة، ويبتسم بخجلٍ للخباز، تردد لحظة، في البيت أطفال ينتظرون الفطور، وفي قلبه صوتان: واحد يقول: “أنت أولى”، وآخر يقول: “هو الآن أضعف”، مدَّ يده، ودفع ثمن كيسٍ آخر، ووضعه في يد الرجل دون كلمة.
عاد إلى بيته ومعه كيسٌ واحد، قسمته زوجته بحرص، وضحك الأطفال كأن المائدة عامرة، وفي المساء، طرق الباب جارٌ لم يعتد طرقه، قال: “وصلتني مساعدة بسيطة اليوم، وتذكرت أنك لم تطلب يومًا، فقلت أبدأ بك” ..
أغلق أبو أحمد الباب، وجلس صامتًا، لم يخبر أحدًا بما حدث عند المخبز، لكنه فهم شيئًا واحدًا: حين تكون للناس يُسخّر الله لك من يكون لك، والدنيا؟ تبقى بخير، ما دام في القلب متّسعٌ لغيره.
الناسُ للناس ورمضانُ شاهد، لا يتغير الجوع فقط، تتغير معه القلوب، ترى الرجل الذي بالكاد يكفيه رزقه، يبحث عمن يفطره، وترى المرأة التي أنهكها يومها، تُعد صحنًا إضافيًا لجارٍ قد لا يطرق الباب، وترى طفلًا يضع من مصروفه القليل في صندوق صدقة، كأنه يضع قلبه كلّه ..
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تحفظ توازن الأرض، فلو كان الشر هو الأصل، لانتهت الحياة منذ زمن، لكن الخير، وإن كان هادئًا، هو الأكثر انتشارًا، وهو الذي يُبقي المستشفيات مفتوحة، والصدقات جارية، والمبادرات قائمة، والقلوب نابضة.
ترويقة:
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار السيئة، وتتصدر فيه مشاهد الألم الشاشات، قد يظن بعضنا أن الدنيا انحرفت عن مسارها، وأن الخير أصبح استثناءً لا قاعدة، لكن الحقيقة الهادئة التي لا تُعلن عن نفسها كثيرًا هي أن الدنيا ما زالت بخير ..
فالخير لا ينصع في الناس بل هو موجودًا بالأصل، فقط يحتاج أن نبحث عنه في نفوسهم ونحثهم عليه، كما قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، هنا المعنى الحقيقي؛ أن تُعطي وأنت محتاج، وأن تُطعم وقلبك يعلم طعم الجوع، أن تكون للناس، ولو لم يسألوك، يكفي أن تكون سببًا في أن يظل جزءٌ منه بخير، فحين تكون للناس، تُصبح الدنيا بك خيرًا.
ومضة:
قال الإمام الشافعي:
الناسُ للناسِ ما دام الوفاءُ بهمُ
والعسرُ واليُسرُ أوقاتٌ وساعاتُ
وكأن المعنى يقول: “لسنا في هذه الحياة فرادى، بل نحن شبكة رحمة متبادلة؛ يومًا أكون لك عونًا، ويومًا تكون لي” ..
إذًا ليس مطلوبًا منك أن تُطعم حيًّا كاملًا، ولا أن تغير العالم، يكفي أن: تمسح دمعة، تسد حاجة، تتفقد جارًا، تدعو بصدق، فالناس للناس والدنيا ما زالت بخير.
كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك…
- الهيجة يتوّج بذهب مونديال بلدية الدرب الخمسين
- روح تنثر الفرح في منزل المهندس عبدالله بن محمد مشهور
- عبدالعزيز ينثر الفرح في منزل محمد علي جدو حكمي
- توقيع اتفاقية تعاون استراتيجية بين “بن داود القابضة” و “مزارع الترويت” لتعزيز الاستدامة الغذائية ودعم المنتج المحلي
- عيدٌ للوطن وفرحٌ لا يغيب



