الوالدان بين رفعة المكانة وميزان العدل

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
تحتلّ مكانة الوالدين في البناء الأخلاقي الإسلامي منزلةً رفيعة لا ينازع فيها مسلم، فقد قرن الله الإحسان إليهما بتوحيده، وجعل برّهما من أعظم الواجبات بعد حقّه سبحانه، حتى صار البرّ بهما عنوانًا من عناوين الاستقامة، والعقوق لهما من أكبر الكبائر.
غير أنّ هذه المنزلة الرفيعة كثيرًا ما تُفهم في بعض البيئات الاجتماعية فهمًا يتجاوز حدود التعظيم المشروع إلى نوعٍ من الحصانة الاجتماعية غير المقصودة التي تمنع مراجعة الخطأ، وتغلق باب الإصلاح والحوار، وتثقل كاهل الأبناء بواجباتٍ لا يقابلها دائمًا قيامٌ كاملٌ بالحقوق المقابلة.
وهنا تبدأ الحاجة إلى خطابٍ متوازن، يثبت مكانة الوالدين كما قرّرها الشرع، دون أن يحوّلها إلى قداسةٍ لا تجوز إلا لله وحده.
فالوالدان عظيمان، ومنزلتهما في الشريعة منزلةٌ رفيعة، غير أنّ هذه الرفعة لا ترفعهما فوق ميزان الحق؛ فهي توجب الإحسان إليهما، لكنها لا تُحوِّل الظلم عدلًا، وتوجب برَّهما، لكنها لا تجعل التفرقة بين الأبناء تربيةً صحيحة، وتوجب صِلتهما، لكنها لا تُسوِّغ هضم الحقوق ولا تبرّر الإضرار بالأبناء باسم البرّ أو حفظ المكانة. إنّ الإسلام حين عظّم الوالدين لم يرفعهما فوق ميزان العدل، بل جمع بين الإحسان إليهما والالتزام بالحق معهما في آنٍ واحد، فقال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾. فلا طاعة في الخطأ، ولا قطيعة في العلاقة.
ومن هنا يتبيّن أن الخطأ الشائع في بعض الخطابات التربوية ليس في تعظيم الوالدين، بل في تحويل هذا التعظيم إلى حصانةٍ تمنع الإصلاح، أو إلى ضغطٍ أخلاقيٍّ يُلقى على الأبناء دون نظرٍ إلى جذور العلاقة وتاريخها.
إنّ البرّ في كبر الأبناء لا ينشأ فجأة، وإنما يُبنى عبر سنواتٍ طويلة من الرحمة والعدل والاحتواء. فالطفل الذي نشأ في بيئةٍ يسودها الاحترام والإنصاف والحنان، لا يحتاج إلى كثير تذكيرٍ ببرّ والديه حين يكبر؛ لأن البرّ في هذه الحالة يصبح امتدادًا طبيعيًا للعلاقة، لا واجبًا ثقيلًا يُستدعى بالقهر أو التذكير المستمر.
ولهذا كان من أوائل حقوق الأبناء على آبائهم حسن اختيار الأم، وحسن اختيار الاسم، وحسن البيئة التي ينشؤون فيها. فالتربية لا تبدأ بعد الولادة، بل تبدأ قبلها، حين يختار الأب شريكة حياته، ويختار معها مستقبل بيته وأبنائه. وقد دلّت النصوص الصحيحة على توجيه النبي ﷺ إلى اختيار ذات الدين، وهو توجيهٌ أسريٌّ قبل أن يكون زوجيًّا، لأن اختيار الزوجة هو اختيار المدرسة الأولى للطفل.
وإذا كانت التربية تبدأ مبكرًا إلى هذا الحد، فإنّ الشكوى المتأخرة من العقوق لا ينبغي أن تُفهم دائمًا على أنها خللٌ مفاجئ في الأبناء، بل قد تكون في بعض الحالات – لا في جميعها – نتيجة تراكمٍ تربويٍّ طويل لم يُراجع في حينه.
ومع ذلك، فإنّ هذا الفهم المتوازن لا يعني تبرير العقوق، كما لا يعني تحميل الآباء مسؤولية كل خللٍ يقع في الأبناء؛ فالإنسان مسؤولٌ عن فعله، والتربية مؤثرة لكنها ليست العامل الوحيد في تشكيل السلوك. وإنما المقصود أن العلاقة بين البرّ والتربية علاقة تبادلية، يبدأ بناؤها من الوالدين ويكتمل نضجها بالأبناء.
ومن أكثر المواطن التي يقع فيها الخلط: الاعتقاد بأن برّ البنت بوالديها يسقط أو يضعف بعد زواجها، أو أن انتقالها إلى بيت زوجها يلغي حقّ والديها عليها. والحقّ أن القرآن لم يفرّق بين الابن والبنت في أصل البرّ، فجميع آيات الإحسان إلى الوالدين جاءت بصيغةٍ عامة تشمل الجميع. لكن الذي يتغيّر بعد الزواج ليس أصل البرّ، وإنما ترتيب المسؤوليات اليومية داخل الأسرة الجديدة.
فالزوجة تنتقل إلى نظامٍ أسريٍّ جديد تلتزم فيه بحقوقٍ زوجيةٍ معتبرة، غير أنّ ذلك لا يسقط صلتها بوالديها، ولا يمنع إحسانها إليهما، وإنما يغيّر شكل هذا الإحسان وحدوده العملية بما يحفظ توازن الأسرة الجديدة.
وهنا يظهر جمال التشريع الإسلامي في الجمع بين حقّ الأسرة الأصل وحقّ الأسرة الجديدة دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
غير أنّ الواقع الأسري المعاصر يكشف عن حالاتٍ مؤلمة لا يكفي معها الخطاب الوعظي التقليدي الذي يطالب الأبناء بالبرّ دون النظر في حجم الأذى الواقع عليهم. فبعض القصص التي يواجهها العاملون في الإصلاح الأسري تتجاوز حدود التقصير التربوي إلى صورٍ مركّبة من الظلم المالي، أو النفسي، أو الاجتماعي، أو حتى الاعتداء على السمعة والكرامة.
وفي مثل هذه الحالات لا يصحّ أن يُطلب من المظلوم أن يعود مباشرةً إلى صورةٍ كاملةٍ من البرّ كأن شيئًا لم يحدث، لأن الشريعة لا تطلب من الإنسان أن يبقى داخل دائرة الأذى باسم الصلة، ولا أن يمكّن الظالم من ظلمه باسم البرّ. وإنما الميزان الصحيح أن تُحفظ الصلة بقدرٍ لا يعيد الضرر، وأن تُعاد العلاقة على أساسٍ من العدل، لا على أساسٍ من الإكراه العاطفي أو الاجتماعي.
فالبرّ درجات، وليس حالةً واحدة. وأدنى درجاته حفظ أصل الصلة وعدم القطيعة، ولو في أضيق نطاق، دون تمكينٍ للأذى، وأعلاها اكتمال المودة والرحمة، وبين هذين الطرفين مساحةٌ واسعة يتحرك فيها الإصلاح الأسري بحكمةٍ وتقدير.
ومن هنا فإنّ من أخطر ما يصيب الخطاب الأسري أن يتحول الدفاع عن مكانة الوالدين إلى إغفالٍ للعدل، أو إلى سكوتٍ عن الأخطاء الواقعة باسم الحفاظ على الصورة الاجتماعية. فالإسلام لا يحمي الصورة على حساب الحق، بل يحمي الحق أولًا، ويجعل الإصلاح الحقيقي قائمًا على منع الظلم قبل المطالبة بالصبر عليه.
إنّ برّ الوالدين واجب، وصِلتهما قربةٌ إلى الله، كما أنّ العدل مع الأبناء واجبٌ كذلك، وكلاهما من أمر الله، ولا يجوز أن يُستعمل أحدهما لإلغاء الآخر. والخلل يبدأ حين يتحول أحد الحقين إلى أداةٍ لإسقاط الحق المقابل.
ولهذا فإنّ الخطاب الأسري المتوازن اليوم بحاجةٍ إلى إعادة ترتيب أولوياته، بحيث يبقى تعظيم الوالدين ثابتًا كما قرّره الشرع، ويظلّ العدل مع الأبناء حاضرًا كما أمر الله، وتبقى الأسرة ساحة رحمةٍ لا ساحة صراع حقوق.
فإذا اجتمع حفظ المكانة مع حفظ العدل، استقامت العلاقة. وإذا غاب أحدهما اختلّ البناء، ولو بقيت الصورة الخارجية على حالها.
- الشؤون الإسلامية في جازان تشارك في اليوم العالمي للصحة العامة 2026م
- الشؤون الإسلامية في جازان تُنظّم سلسلة من المناشط الدعوية المتنوعة في عددٍ من محافظاتها
- الشؤون الإسلامية بجازان تطلق برنامج “المعلّم المقيم”بقرى الحسيني والطمحة بمحافظة صبيا
- المياه الوطنية تنتهي من تنفيذ خطوط مياه رئيسية في الرياض بأكثر من 81 مليون ريال
- مركز بادغيش للرعاية والتأهيل بجازان يحتفي باليوم العالمي للتوحد 2026م


