بين الفريضة والنافلة .. حين يختل ميزان الأولويات في رمضان

د. مصلح البركات
مع كل موسم رمضاني تتكاثر الرسائل التذكيرية، غير أن بعض التنبيهات تستحق أن تُكتب بماء التنبيه لا بحبر العاطفة؛ لأنها تصحح مسارًا كاد أن يختل في وعي كثيرين. ومن ذلك القول المتداول: “صلاة الظهر أعظم وأحب إلى الله من صلاة التراويح، ولن يُسأل العبد إلا عن الفريضة أولًا، أما النافلة فهي زيادة أجر، فلا يكن نشاطك في النافلة أكبر من حرصك على الفرض.”
إنها عبارة قصيرة، لكنها تضع الإصبع على جرحٍ خفيٍّ في سلوك بعض الصائمين؛ إذ نرى من يسهر الليل طويلًا في صلاة التراويح والتهجد، ثم ينام عن صلاة الظهر أو يؤخر العصر حتى يخرج وقتها. هنا لا يكون الخلل في حب العبادة، بل في ترتيبها. فالدين ليس كثرة أعمال بقدر ما هو صحة ميزان.
وقد قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كلمة جامعة في هذا السياق: إن من الغبن أن ينام المرء عن الظهر والعصر في رمضان، ثم يتكلف قيام الليل؛ لأن فريضة واحدة خير من قيام رمضان كله. وهذه ليست دعوة إلى التقليل من شأن التراويح، فهي شعيرة عظيمة وسنة مؤكدة، لكن المقصود أن النافلة لا تجبر التفريط المتعمد في الفريضة، ولا تزين خللًا في الأساس.
رمضان موسم تزكية، لكنه أيضًا موسم اختبار للصدق. فالصوم ركن عظيم من أركان الإسلام، وهو الركن الرابع، والصلاة هي الركن الثاني، وأول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة. فكيف يفاخر إنسان بصيامه وهو يفرّط في صلاته؟ وكيف يأنس بصلاة الليل وهو يضيع صلاة النهار؟
إن طغيان المظاهر قد يجعلنا نحرص على ما يُرى ويُمدح، ونغفل عمّا هو أعظم أجرًا وإن كان أقل صخبًا. التراويح تُقام جماعة، ويُشهدها الناس، وتُبث أحيانًا في المساجد الكبرى، أما صلاة الظهر في يوم قائظ، أو العصر في ساعة تعب، فهي عبادة صامتة لا يراها إلا الله. وهنا تتجلى حقيقة الإخلاص.
ليس المقصود أن نختار بين الفرض والنافلة، بل أن نُقيم الأول على وجهه، ثم نرتقي بالثاني. فالفريضة أصل البناء، والنافلة سياجه وزينته. وإذا سقط الأصل، لم تُغنِ الزينة شيئًا.
في زمن تتكاثر فيه الصور والمقاطع والمشاهد الرمضانية، نحن بحاجة إلى فقه الأولويات أكثر من حاجتنا إلى فقه العواطف. أن نصوم نعم، وأن نقوم نعم، لكن قبل ذلك أن نحافظ على الصلاة في وقتها، وأن نؤدي الفريضة كما أمر الله.
فلا تفتخر بصيامك وأنت نائم عن صلاتك، ولا تُكثر من النوافل وأنت مفرّط في الفرائض. اجعل ميزانك مستقيمًا، وابدأ بما افترض الله عليك، ثم ازدد ما شئت من الخير؛ فرب فريضة خاشعة، تعدل عند الله قيام ليالٍ طوال.
- الصَّمتُ وميزانُ المكانةِ
- مسيرة عطاء مشرّفة في خدمة الوطن
- بقطرة دم تصنع الحياة
- نائب أمير جازان يدشّن فعاليات اليوم العالمي للدفاع المدني
- فرع الشؤون الإسلامية بجازان ينفّذ مبادرات لتهيئة الجوامع خلال شهر رمضان




بارك الله فيك وجزاك الله خير