آداب

بين نقاء الماء وصفاء الإخاء: فلسفة الصديق الصدوق

أحمد بن هبه بن علي هادي
صحيفة بصمة اون لاين

كثيرًا ما نردد في مجالسنا عبارة وازنة تختزل عمق العلاقات الإنسانية: «الصديق كماء الشرب، إذا لم يكن نقياً وصافياً، فلا حاجة لك به». وهي مقاربة بليغة؛ فالماء هو شريان الحياة، لكنه إذا كَدِرَ وتلوّث أصبح سببًا في الداء لا الدواء، وكذلك الصداقة، إن لم تقم على النقاء والوضوح، تحولت إلى عبء يرهق الروح والوجدان. إن المرء غنيّ بأصدقائه، لكنه أغنى بمن يصفو له وِدادُه، ففي زمن تداخلت فيه المصالح وكثرت الأقنعة، يصبح البحث عن الصديق الصافي كالبحث عن نبع عذب في جوف صحراء قاحلة.

إن الصداقة الحقيقية ليست مجرد أرقام في قوائم التواصل، ولا كلمات إعجاب تُقال في مجالس الرخاء، بل هي مواقف صارمة تغربل البشر لتُبقي لنا الصفوة؛ فالذهب لا يلمع نَقاؤه إلا إذا مَسّته النار، والصديق لا يظهر صفاؤه إلا إذا عصفت بك الأيام. ومن يتدبر أحوال الرفاق في دروب العمر، يجد أن المسافة بين الصادق والمزيّف شاسعة، تتجلى في مقطوعة نابضة من واقع الحياة:

تمر بالمرء ساعات عجاف، فيميز عينه بصرها؛ فبينما يلوح لك الصديق الصادق كالنجم في غسق الدجى، ثابت المدار، يهتدي به السائر في تيهه، وينهل من وفائه أماناً لا ينضب؛ يتبخر الصديق المزيف كسراب خادع في هجير الظهيرة، يغريك ببريق الحضور ما دامت كفك تفيض بالخيرات، فإذا أظلمت سماء أيامك، ونفضت يدك من زينة الدنيا، تولى كأن لم يكن بينكما ود، وتركك في مهب الريح وحيداً. الصادق جدار صلب تسند إليه روحك المتعبة فلا تسقط، والمزيف قناع واهن يتهشم عند أول بادرة من بوادر الشدة، هذا يبني في داخلك الطمأنينة، وذاك يزرع في طريقك الخذلان.

إن قيمة الصداقة تكمن في خلوّها من الأغراض؛ فإذا تلوّثت بغرضٍ دنيوي أو مصلحة عابرة، انتهت صلاحيتها بمجرد انتهاء المنفعة، والصداقة الحرة هي تلك التي تبدأ وتنتهي لأنك “أنت”. هناك عابرون يمرون في حياتنا ويمضون، وهناك صفوة يتركون في أرواحنا أثرًا يشبه المطر، يحيون فينا الأمل ويغسلون عن كاهلنا الهموم، وصدق من قال: «رُبّ أخٍ لك لم تَلدهُ أمّك»، فهو ذلك الذي يقرأ صمتك، ويسمع وجعك قبل أن تنطق به، وصديقك من صَدَقَك لا من صدّقك.

تَجرّع عطش الوحدة، ولا تشرب من نبع صديقٍ كَدِر؛ فالظمأ في صحراء العزلة أهون بألف مرة من سُموم النفاق. فالصديق الصافي هو الذي يمنحك الطاقة لتستمر، ويمسك بيدك حين يتخلى عنك العالم، ووجوده في حياتك هو الدليل القاطع على أن الدنيا لا تزال بخير. فإذا ظفرت بهذا النبع العذب في رحلتك، فتمسّك به بكلتا يديك وعضّ عليه بالنواجذ، فإنه الثروة الحقيقية والعملة النادرة في زمن شحّ فيه النقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى