دين ودنيا

رمضان.. طيفُ العبورِ ونُزهةُ الأرواح

أحمد بن هبه بن علي هادي

حين يطلُّ علينا رمضان كأنه الحلمُ الهادئ الذي يزورُ الأجفان في ليلةِ شتاء باردة، يأتي ليخطفَ الروح من ضجيج الحياة إلى سكينةِ المناجاة.

هو الزائرُ الذي لا يضعُ عصا الترحال إلا وقد همَّ بالرحيل، وكأنه ومضةُ برقٍ في ليلٍ دامس، تضيءُ الأفقَ برهةً ثم تتركُ في العيونِ أثرَ الضياء وفي القلوبِ لوعةَ الاشتياق.

يأتي سرياً كأنفاسِ الفجر، ويغيبُ سريعاً كخيوطِ الغروب؛ فما إنْ تأنسَ الأنفسُ بنورِ هلاله، وتستقيمَ الخطى في محاريبِ طاعته، حتى يبدأَ الشهرُ بطيِّ سجادةِ أيامهِ المباركة.


هو “الطيفُ الحالم” الذي لا يُقاسُ بعددِ الأيام، بل بعمقِ الأثر؛ فكلُّ ساعةٍ فيه هي عُمْرٌ كامل، وكلُّ ليلةٍ فيه هي مدرسةٌ للروحِ التائقة.

إنَّ حكمةَ هذا المرورِ السريع هي أنْ يظلَّ المؤمنُ في حالةِ استنفارٍ لقلبه، فلا تفتُرَ له عزيمة، ولا يغفلَ له جفن. فما أعظمَ هذا الضيف الذي يحلُّ ليُعلِّمنا قيمةَ الوقت، ويرحلُ ليتركَ فينا عطراً لا يزول، وذكراً يبقى مخلداً في صحائفِ الصالحين.


هو الموسمُ القصيرُ في زمنه، العظيمُ في أثره، الذي يمرُّ كمرِّ السحاب، ليتركَ الأرضَ من خلفه مخضرةً بالإيمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى