سيرة الشيخ: إبراهيم بن علي قاسم آل طارش الخسافي الفيفي
إعداد الشيخ :عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال

سيرة الشيخ: إبراهيم بن علي قاسم آل طارش الخسافي الفيفي
الانسان في هذه الحياة ميسر من الله إلى المسار المناسب له، (كل ميسر لما خلق له)، فالتوفيق الذي تلاحظه على كثير من الناس هو من الله وحده، قد تجده جبلة مغروسة في اصل تكوينه وخلقته، أو يهتدي إليه مع اكتساب الخبرات ومضي الوقت، وكثير من الوظائف لها مواصفات لا تجدها عند كثير من الناس، فاذا ما تطابقت هذه الصفات والأفكار مع متطلبات الوظيفة، اكتمل التوافق وكانت سببا إلى النجاح والتميز، وإن تعارضا اختل هذا النجاح مما قد يوصله في الغالب إلى الفشل.
إن موظف النيابة العامة له مواصفات خاصة به، منها الذكاء والفطنة والعلم، ومنها قوة الملاحظة والقدرة على استيعاب الأمور وتمحيصها، وقوة الذاكرة في حفظ المعلومات واستدعائها عند الحاجة، وسرعة الخاطر في تيقظ ذهنه وادراكه السريع لما يجري حوله، وغايته العدالة وتكون هي مقصده دون شيء سواها، والقاعدة الاصلية أن المتهم بريء إلى أن تثبت ادانته، ولذلك يجب احترام حريته في الدفاع عن نفسه، والاصغاء إلى دفوعاته بكل رحابة صدر، والدقة وحسن التثبت في التأكد من تفاصيل الأمور وجزيئياتها، وعدم الاخذ بمجرد الظواهر دون تمحيص، ولذلك لا بد أن يتصف المحقق بالشجاعة والجدية في سبيل التأكد من كل صغيرة وكبيرة، والسرعة في السعي للوصول إلى الحقائق قبل زوالها أو انطماس معالمها، مع التحلي بالصبر والمثابرة والتثبت، فلا يتضجر أو يصيبه الملل بسرعة، أو ييأس عند تأخره في الوصول إلى النتائج الإيجابية المرجوة، وهنا تبرز لديه صفات الهدوء ورباطة الجأش والحكمة، فالباحث عن الحقيقة لا يتعجل ولا تصرفه العاطفة أو الشفقة، لأن كثيرا من المظاهر العاطفية قد تكون مفتعلة، لقصد التهرب من العقاب أو حجب الحقائق، لذلك يحسن التجرد وعدم التأثر بالمؤثرات الخارجية المصاحبة، بل يسعى جادا للوصول إلى الغاية، وأن يكون كتوما عميق الغور في أفكاره وتوجهاته، ويحتفظ بالمعلومات التي ليس في اظهارها مصلحة واضحة، إن هذه المواصفات والعوامل مهمة واساسية في المحقق الناجح، فإن توفرت أو معظمها فيه اعانته للوصول إلى النجاح المطلوب، وهي لا شك مختلفة ومتباينة قوة وضعفا من شخص إلى آخر، فطبيعة الناس وخصائصهم متباينة جدا.
نجد صاحب سيرتنا يتصف بكثير من هذه المواصفات وهذه العوامل، ولأجل ذلك نجده ناجحا في اعماله ومهامه التي أسندت إليه، وفي قضايا التثبت والتحقق المطلوبة منه، فنجده على قدر كبير من الذكاء والفطنة والهدوء، مع اتصافه بالعلم الوافر والثقافة الواسعة، وتميزه بدماثة الاخلاق وحسن التعامل، ولعل ذلك سر نجاحه وتألقه في عمله ووظيفته، وفقه الله وزاده علما وفضلا ونجاحا.
أنه فضيلة الشيخ:

إبراهيم بن علي قاسم آل طارش الخسافي الفيفي حفظه الله.
والده فضيلة الشيخ القاضي علي بن قاسم الفيفي رحمه الله وغفر له، قدوة ومثالا لكل من حوله فما بالك بأولاده، قدوة في كل اموره وتعاملاته وسمته، وفي تمسكه بدينه، وفي وطنيته وإخلاصه وولائه، يستغل كل وقته ويستفيد منه، ولا يدعه يضيع سبهللا من بين يديه، شعلة من النشاط والحماس، والاستزادة من المعارف والخبرات، يحرص على العلم ويجتهد في طلبه، ويحث عليه أبنائه واقربائه ومن حوله، يوجه بالإخلاص في طلب العلم والحرص عليه، وفي التزود والنهل من معينه، فلا شك أنه مع مضي الوقت، وطول المخالطة والاحتكاك، ومشاهداته الدائمة على هذا النهج، وممارسته لها قولا وفعلا وفي كل حالاته، ومداومة ترديد النافع من العبارات، وحثه المتواصل على التحلي بمكارم الاخلاق والصفات، والتنبيه على أي قصور قد يحدث في كل الجوانب، مما يترك اثرا إيجابيا في المتلقي، وكيف لا يكون وهو الابن الذكي الالمعي، الحريص على الترقي بفكره وعلمه وثقافته، وهذه نتائجه ومردوداته، ظاهرة اليوم في كل جوانب ومعالم شخصيته، علما وادبا وتقوى وصلاحا ووطنية، وفي تفتح المدارك وعلو الهمة وقوة الشخصية، وفي حسن الاخلاق ومكارمها، وفي الفصاحة والادب وقوة الحجة، والشجاعة والكرم وجمال التعامل، زاده الله علما وفضلا وخلقا وادبا، ورحم الله ابا كان قدوة ومربيا فاضلا، وجزاه خير الجزاء، وجمعنا به في جناته جنات النعيم.
اما امه فهي الفاضلة مريم بنت حسن بن احمد ال خفشة الابياتي (رحمها الله وغفر لها)، من معدن نقي وبيت علم وطاعة وتقى، والدها الفقيه العالم الشيخ حسن بن احمد آل خفشة (رحمه الله وغفر له)، طلب العلم وهاجر وتغرب من اجله، وكانت له مدرسة علمية في بيتهم شيحة بوسط بقعة العذر بفيفاء، درّس فيها كثيرا من الأجيال من أبناء فيفاء، من أمثال شيخ شمل فيفاء حسن بن علي رحمه الله، وفضيلة قاضي فيفاء الشيخ علي بن قاسم رحمه الله، والعديد ممن كانوا مجايلين لهما، وأولى ابنته هذه كثيرا من عنايته، حتى أتقنت على يديه القراءة والكتابة، وقراءة القران الكريم، ثم درست في اول مدرسة للبنات بفيفاء في معلامة الفاضلة عافية بنت فرح اسعد الابياتي (رحمها الله)، احدى المدارس التابعة حينها لمدارس فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي (رحمه الله)، التي افتتحت في حوالي عام 1376هـ، وأقيمت في بيت العزورية ببقعة العذر، واستمرت فيها لما يقارب العام، ولذلك كان لها تأثيرا واضحا وملموسا على جميع ابنائها، وكل من حولها، غرست فيهم كثير من الفضائل والايجابيات، وربتهم على حب العلم والتمسك بالدين وحسن الخلق.
الأم مدرسة إذا اعددتها
اعددت شعبا طيب الاعراق
كانت الأم الرؤوم الفاضلة، ولها أدوارها الواضحة على أبنائها، في حسن تنشئتهم وتربيتهم، امرأة تقية متدينة، كثيرة الصلاة والصيام والزكاة، عُرف عنها كثرة العطاء والصدقة، والعطف على الضعفاء والمساكين، لا يخلو بيتها من المترددات كضيوف وطالبات رفدها ومعونتها، وتولي ذلك كثيرا من اهتماماتها، كريمة سخية تحب كل الناس، وتصل الأقارب والرحم، حتى وهي طريحة الفراش في المستشفى قبيل وفاتها، وقد كثر من يأتون من أقاربها لزيارتها، فكانت توصي أبنائها وبناتها في البيت بأن يكرموا هؤلاء الزوار، وتحثهم على أن لا يحدث أي تقصير في حقهم وفي ضيافتهم.
اما في تربيتها لأبنائها فكانت على قدر كبير من الحرص والحزم، ولا ترضى من احدهم خطأ وتجاوزا، بل تعاقب عليه في حينه بشدة، رغم طيبتها وهدوء طبيعتها.
قسا ليزدجروا ومن يكن حازما
فليقس أحيانا على من يرحم
لذلك كانت لا تسمح بالغياب عن المدرسة إلا لعذر شديد، وبالطبع كانت هي المسؤولة الأولى عن بيتها، لانشغال زوجها بالكثير من الاعمال، وفي تعدد مسؤولياته وكثرة بيوته وابنائه، فكانت هي من تحمل على عاتقها الاشراف المباشر على أولادها، فكانت على قدر المسؤولية، امرأة عاقلة حكيمة، رزينة صائبة الرأي، حتى اذا ما استشارها احدهم في موضوع، لا تعطي رأيها حتى تسأل وتناقش بهدوء، ثم تبدي رأيها بكل وضوح، ولا تفرضه على من استشارها، رحمها الله وغفر لها وتجاوز عنها.
ولد لهذين الفاضلين في بيتهما بسمان، الواقع في وسط بقعة السندر، من جبل آل ظلمة بفيفاء، في تاريخ ١٦/١/١٣٩٥هـ، وسبقه عدد من اخوته الاشقاء والاخوات، وتلاه اخرون، فكان واسطة العقد بينهم، وتولت العناية به امه يشاركها اخوانه الكبار، فهم يرعونه ويتلقى منهم كثيرا من الايجابيات، فنشأ في جو يكتنفه الحب والعاطفة وكثير من الحنان، وعلى قدر كبير متوازن من الصفات الحسنة، أدرك في تلك الطفولة بعضا من بقايا الحياة القديمة، والناس يعملون في الحرث والزرع، ويوجد في بيتهم بعض (الهوش) من البقر والغنم وبعض الدجاج، وكان يشارك ايجابا في بعض أعمال الزرع، من الفرس والوقال والخمين، وغيرها من الاعمال البسيطة التي تسند عادة للصغار، ومن ذكريات ما كان يشاهده في ذلك الوقت، عملية خبط الحب (فرزه من سنابله) العقوذ، وفي تحدير القصب بعد الحصاد، وكثير من ما يتعلق بأعمال الحرث المعتادة، ويذكر بعض الشيء من معاناة الناس مع شح المياه، وعند الخزن بسبب تأخر نزول الامطار، ومن ذكرياته أنه كان يرافق بعض الواردات من اهله إلى الآبار البعيدة، الذي يضطرون إلى جلبه رغم أن لديهم بركة كبيرة (خزان مياه) ومثمل، إلا أنها لا تكفي مع طول الوقت وتنفذ، ويلحقهم ما يلحق غيرهم، وإن كان بصورة اخف، ويذكر أن والدته رحمها الله كانت تواسي (تعطي) جيرانها على قدر الضرورة والحاجة، فتفح احيانا خزان المياه (البركة) لمن اشتدت حاجتهم، من باب التعاون والبر بهم، وكانوا يردّون لها هذا الجميل إذا ما انتهت عندها مياه هذه البركة.
وعلى العموم فقد عاش طفولة جميلة هانئة، وذكريات حلوة، يستجرها بكل متعة وانس من حين إلى آخر.
تعليمه:
نظرا للبعد الكبير لبيتهم عن المدرسة القائمة، مدرسة تحفيظ القرآن الكريم الابتدائية بالنفيعة، ولا توجد حينها طرق للسيارات، فلا بد من السير على الاقدام لما يقارب الأربع كيلوات، ولكن نظرا لوجود اخوانه الأكبر منه(احمد وخالد)، يدرسان في هذه المدرسة، فقد شوقاه وسهل عليه ذلك الالتحاق بها في معيتهم، وكانا يشجعانه ويحفزانه ويرعيانه، حتى كانا يحملان عنه حقيبة دروسه، وقد يحملانه شخصيا في بعض الأماكن الصعبة، فدخل معهما طالبا في هذه المدرسة مع بداية العام الدراسي ١٤٠0/١٤٠١هـ، وهو دون السادسة من عمره بقليل، وما اسرع ما اعتاد المشوار والفه، وارتفعت مع الوقت والممارسة لياقته، وتطور وضعه حتى كان يشارك اخويه أحيانا في جلب بعض احتياجات البيت معه من سوق النفيعة، وبالذات في يوم الاثنين موعد إقامة هذا السوق الأسبوعي، ورغم صعوبة الطريق وبعدها إلا أن الغياب ممنوعا، إلا في حالة المرض الشديد الظاهر، اما التظاهر بالمرض أو المرض البسيط فليس عذر للغياب، بل لا يعذر الواحد عن الغياب ولو تحت الأمطار الغزيرة، فالأم والأب حازمان في مثل هذا الانضباط.
اقبل على دراسته بكل رغبة وشوق، يجد المؤازرة في المذاكرة والاستذكار من امه المتعلمة، وممن حوله من الاخوة والاخوات، فكان متفوقا في دراسته لا يشكو من أي تعثر او تأخر، ويذكر ممن درّسه في تلك المرحلة، وكان له التأثير العظيم في التأسيس الدراسي، وفي التربية والتقويم، الأستاذ فرح بن سلمان يحيى الداثري (الحليق)، الذي كان له أثر عظيم عليه وعلى زملائه في تلك المرحلة المهمة، فيصفه بأنه كان رفيق رحيم بهم، وفي نفس الوقت حازما وجادا في التعليم والتربية حفظه الله وأطال في عمره، استمر على هذا المنوال يتنقل من صف إلى اخر، الصف الاول والثاني والثالث، وقد اشتد عوده وارتفع تحصيله وادراكه، والحياة حينها في اوج بدايات التغيير في المجتمع من حولهم، حيث كانت البدايات الاولى لشق طرق السيارات في اعالي الجبل، ووصولها في تلك الفترة إلى منطقة النفيعة ثم إلى نيد الدارة وما تلاها، وتواصل زحفها حتى عمت فيما بعد والآن معظم زوايا الجبل وبقعة، تغيرت حياة الناس كثيرا بسبب شق هذه الطرق، لذلك قرر والدهم انتقال كامل الاسرة إلى منطقة النفيعة، حيث وصلتها السيارات وسهلت الحياة فيها، وتوفرت الخدمات بشكل كبير، وكان حينها قد نجح من الصف الثالث الابتدائي، فانتقلوا إلى البيت المسمى (مغر)، بجوار سوق النفيعة، وكانت نقلة كبيرة لهم جميعا، فالوالدة رحمها الله استأنست بجوارها لبيت ابويها واخوانها (النغوة)، وبالنسبة لهم فبالإضافة إلى قربهم الكبير من المدرسة، بحيث لا تبعد عنهم إلا عشرات الامتار، وفي نفس الوقت قربهم من اخوانهم من ابيهم المقيمين في نفس المكان، وقربهم من السوق ومن الدكاكين، مما انساهم معاناة نقل كل احتياجاتهم فيما مضى.
واصل انتظامه في هذه المدرسة، إلى أن نجح من الصف الرابع الابتدائي، في نهاية العام الدراسي 1403/١٤٠٤هـ ، فرغّبه والده في الانتقال إلى الصفوف التمهيدية في المعهد العلمي بفيفاء، (وجد فيما بعد خطاب والده لطلب قبوله في المعهد مؤرخا في٢١/١٢/١٤٠٤هـ)، وانتظم في المعهد العلمي في رفقة مجموعة اكبر من اخوانه، ولم يكن عنهم المعهد ببعيد، فهو في وسط بقعة العذر المجاورة لسكنهم، ودرس فيه السنتين الاولى والثانية التمهيد، وهي تعادل الصف الخامس والسادس الابتدائي، وبعد نجاحه منها التحق مباشرة بالمرحلة المتوسطة في نفس المعهد، وسارت معه الامور على خير ما يرام، ومضى به ذلك العام في المعهد العلمي بفيفاء، والذي نجح في نهايته إلى الصف الثاني المتوسط، وحينها انتقلت اسرته بكاملها إلى مكة المكرمة، لانتقال عمل والده الوظيفي إليها، وفيها انتقل إلى المعهد العلمي في مكة المكرمة، ودرس فيه كامل المرحلة، من الصف الثاني المتوسط وما تلاه من الصفوف، إلى أن تخرج من الصف الثالث الثانوي في المعهد العلمي بمكة المكرمة .
بالطبع كان الانتقال إلى مكة نقلة كبيرة بالنسبة له في كل جوانب الحياة، فلا مقارنة بين البيئة الريفية البسيطة في فيفاء، والعالم الصاخب المزدحم الراقي في مكة المكرمة، تغير عليه الجو والبيئة والمجتمع والزملاء واللهجة، فأثرت على فكره واستيعابه وتركيزه، فانخفض مستواه الدراسي بعد أن كان من الأوائل، لعدة أسباب منها أنه وجد الدراسة في معهد مكة العلمي أكثر جدية وأكثر صرامة، ومستوى الطلاب فيه عال جدا، فمنهم من كان يحفظ القرآن كاملا، ومنهم من هو منتظم في الحلقات والدروس العلمية في الحرم المكي، وكثير من هؤلاء الطلاب مغتربون من دول أو مناطق أخرى، وفر لهم المعهد مبنى متكامل بجواره لسكنهم، وكان من أسباب تأخر مستواه ايضا، أنه وجد بيئة محيطة جديدة بجوار سكنهم في حي العدل، وكان حينها في بداية سن المراهقة، فكوّن كثيرا من الصداقات مع أبناء الحارة، وبالتالي انطلق معهم في اللعب والتسلية بلا حدود، يطوفون في الحارة والميادين على الدراجات، كانت الدراجات الموضة المنتشرة في تلك الفترة في حارات مكة، وكذلك اللعب بكرة القدم، فما إن يرجع من المعهد ويتغدى إلا وينطلق للعب إلى العصر، وبعد صلاة العصر ينتظم في حلقة التحفيظ في المسجد إلى بعد صلاة المغرب بنصف ساعة، حسب المتبع في الحلقة، فالحفظ والتسميع للدرس الجديد إلى المغرب، وبعدها المراجعة التي تستمر لحوالي نصف ساعة، وبعدها ينطلق للعب بالدراجات وكرة القدم إلى العاشرة مساء تقريباً، لدرجة أنه لم يكن لديه وقت حتى لترتيب دروسه، فضلا عن حل الواجبات، ولولا أن التأسيس لديه كان جيدا لتردى كثيرا في تلك الفترة، ولذلك لم يصل إلى درجة الرسوب، وإنما هو انخفاض في المستوى الدراسي، فلم يعد من الأوائل، وكثير ما كان ينال بعض العقاب في المعهد بسبب عدم حل بعض الواجبات، ولما لاحظ عليه والده رحمه الله كثرة انشغاله عن الدروس، فكثير ما كان يوبخه وينبهه، ولكنه لم يصل معه إلى درجة الضغط أو القسوة في التأديب، بل كان يفصح لوالدته أنه يراه كثير اللعب، وكثير ما يهم بأن يؤدبه، ولكنه يعدل حين يتذكر أن درجاته وتحصيله في التقييم الشهري جيدة.
بالطبع تنبه لنفسه وبسيره في الطريق المنحدر، فلم يكن هذا التغيير والتهاون إلا في السنة الثانية المتوسطة، وهي السنة الاولى له في مكة وصدمته الحضارية فيها، فوجد أنه بعد مضي هذه السنة قد تشبع تماما من الهيصة الزائدة، في لعبة مع أبناء جيرانهم، ولذلك خفف كثيرا من انطلاقاته، وعاد أكثر انضباطا وجدية في الدراسة، حتى عاد لوضعه السابق منافسا على المقدمة، وواصل على هذا المنوال إلى أن تخرج من الثانوية في شهر محرم من عام١٤١٣هـ، ليقرر الالتحاق بجامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية في الرياض (كلية الشريعة).
الالتحاق بالجامعة :
لم يلتحق بجامعة ام القرى بمكة حيث يقيم اهله، مع أن ذلك كان متاح القبول له فيها، ولكنه اختار التوجه إلى الرياض، والابتعاد عن اهله ليلتحق بجامعة الامام، وكانت له اسبابه ومبرراته، فكونه خريج المعهد العلمي التابع لجامعة الإمام، وقبولهم له في هذه الجامعة الام شبه مضمون، بخلاف الجامعات الأخرى، ومنها جامعة أم القرى في مكة، فالقبول فيها يخضع لشروط القبول والمقابلات الشخصية، وكانت اعداد المتقدمين إليها كبيرة، وقد لا يقبل في التخصص الذي يرغبه، وبدل أن يدخل في حسابات كثيرة، وحتى لا يهدر وقته وتضيع عليه سنوات في حال عدم قبوله أو تأخره، أو يتم قبوله في كلية أو قسم لا يرغبه، فقد حسم الأمر من البداية بتوجهه إلى المضمون، وكانت من الاسباب المهمة أيضاً، أن جامعة أم القرى تطبق حينها نظام الساعات، ولاحظ مع اخوانه خالد ومنير وابن عمه محمد مفرح، معاناتهم مع هذا النظام، ومشاكلهم اليومية بسبب عدم انضباط الجداول، فيتردد الواحد منهم على الجامعة في أوقات مختلفة من اليوم، تجد أحياناً لديه محاضرات في الصباح، ويرجع إلى البيت وتكون لديه محاضرات في العصر او بعد المغرب، وهذا مالم يرتاح إليه ولم يعجبه بتاتا، ورأى أنه اسلوب غير مريح للطالب ولا يستفيد من وقته، فلذا رغب من البادية في الالتحاق بجامعة الإمام، ورغبته الوحيدة تتمثل في كلية الشريعة، ولما اخبر اباه برغبته واستأذنه فيما عزم عليه، ايده وابدى فرحته بهذا التوجه لديه، وكذلك لما اخبر امه لم تمانع مادامت هذه رغبته واختياره، وشجعه اكثر وجود شقيقه الاكبر أحمد طالبا في نفس الجامعة في كلية اللغة العربية، وابن عمه موسى أحمد، واخوانه نبيل طالب في جامعة الملك سعود، وحسن موظف في وزارة المالية، وعدد من الاخوات، مما سهل عليه الأمر ولم يشعر معه بالغربة، مع أن الحنين يعاوده لوالديه واهله في مكة، لأنها كانت اول مرة يبتعد عنهم مغتربا، ولذلك ما إن تأتي الإجازة ومع آخر يوم في الاختبارات إلا ويسافر مباشرة إليهم في مكة المكرمة.
تم قبوله والحمد لله بسهولة في جامعة الامام، وتحققت رغبته في تسجيله في كلية العلوم الشرعية، وانتظم في الدراسة فيها مع بداية العام الجامعي1413/1414هـ، وسكن في نفس سكن الجامعة، حيث كانت الجامعة في بداية انتقالها إلى مقرها الجديد، في المدينة الجامعية الخاصة بها، وكانت مبان مصممة على احدث طراز وافخمه، وموفر للطلاب في هذا السكن وحدات سكنية راقية، ومخصص لكل طالب غرفة بمفرده، مؤثثة بالكامل، وبها دورة مياه خاصة، وفيها ملحقات وخدمات ممتازة للطلبة.
وانخرط في دراسته في كلية الشريعة مع بداية العام الجامعي، وكانت الدراسة فيها صعبة وجادة، وموادها دسمة جداً، وكان يزيد من صعوباتها حينها أنه يدرّس المادة الواحدة أكثر من دكتور، وخاصة في مواد التخصص، فمثلا في مادة الفقه في الترم الأول من السنة الأولى، كان يدرسهم فيها خمسة دكاترة، وفي الاصول أربعة، وفي العقيدة اثنان والنحو اثنان، وهكذا كانوا يتقاسمون الدرجات، وكل دكتور ينقص من عنده، حتى لا يبقى للطالب إلا درجات النجاح، وخاصة في السنة الأولى، وذلك مما يصدم الطالب في الترم الأول، ولعل الجامعة بذلك كانت متعمدة لأجل الاصطفاء، بحيث لا يستمر إلا الطالب الجاد، وكدليل على هذه النظرية، أن طلاب دفعتهم كما اخبرهم بعض الدكاترة كانت هي أكبر دفعة مرت على الكلية، يبلغ عددهم حوالي ٧٥٠ طالبا، موزعين على سبع قاعات كبيرة، ولذلك تقلصت الاعداد خلال الفصول التالية، وتناقصت القاعات عاما بعد آخر، حتى أنه لم يزد عدد الخريجين على ١٣٢ طالبا فقط، وكثير منهم كانوا من الدفعات التي قبلهم.
كان جو الدراسة بالنسبة له مريح جدا، تبدأ المحاضرات من الساعة ٨ صباحا، وتنتهي عند الواحدة والنصف من بعد الظهر تقريباً، وكان الإسكان يحوي حينها من ابناء فيفاء اكثر من مائة طالب، تجمعهم كثير من الروابط والعلاقات والاجتماعات اليومية، ورحلات جماعية بين فترة واخرى، وكل واحد يمارس هواياته، فالإمكانيات والقاعات والوسائل متاحة لهم، فهناك مجموعة تستهويهم الأنشطة الرياضية والترفيهية، وهناك من تستهويهم الكازينوهات والمقاهي، وهناك طلاب يحرصون على تتبع الدروس لدى المشايخ خارج الجامعة، وغير ذلك مما يشغلون به اوقات فراغهم وينتفعون به، فكل شخص يجد ما يستهويه وما تميل إليه نفسه، لذلك من لا ينتبه لنفسه قد يضيع في دراسته أو يتأخر فيها، وما اكثر من يغتر بهذا حتى يخرج خالي الوفاض، مرت به كل هذه الظروف كأي فرد من هؤلاء الطلاب، وقاوم وجد واجتهد بفضل الله، حتى استطاع اجتياز مستويات الجامعة، في الاربع السنوات المقررة، وشرف بالدراسة على مشايخ فضلاء في الجامعة في تلك الفترة، علماء افذاذ ودكاترة كرام، يذكر منهم سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، ودـ عبدالرحمن السدحان، ودـ عبدالرحمن بن صالح الأطرم، ودـ عبدالكريم النملة، ودـ عبدالعزيز العسكر، ودـ محمد العيسى، ودـ عبدالله الركبان، وغيرهم، رحم الله من مات منهم وحفظ بحفظه الباقين، وتخرج من كلية الشريعة في تاريخ ٢ /٣/١٤١٧هـ، يحمل منها شهادة البكالوريوس في الشريعة.
وبعد ما عين في التدريس مباشرة بعد تخرجه، عمل معلما في وزارة المعارف لمدة عام دراسي كامل، وبعدها انتقل إلى هيئة التحقيق والادعاء العام (النيابة العامة حاليا)، وبعد مباشرته حينها في فرع الهيئة بمدينة حائل، ألحق مباشرة من قبل الهيئة في معهد الإدارة العامة بالرياض، ليدرس دبلوم الأنظمة الجنائية، وكانت مدته عام دراسي كامل، تدرب اثنائها وطبق لمدة شهرين في شرطة الروضة بالرياض، وفي فرع الهيئة بمنطقة الرياض، وبعد انتهاء هذا الدبلوم، وتخرجه من هذا التخصص، مارس عمله في الهيئة، وتنقل في اكثر من موقع، وكلف بأكثر من مهمة، وفي اثنائها حصل على العديد من الدورات والبرامج التطويرية في مجال عمله، ومنها:
- دبلوم أنظمة جنائية من معهد الإدارة العامة بالرياض.
- دورة في التحقيق الجنائي في كلية الملك فهد الأمنية.
- دورة في نظام الإجراءات الجزائية في كلية الملك فهد أيضاً.
- دورة في التحقيق الإداري وأعمال المتابعة.
- دورات تخصصية أخرى في (أعمال الادعاء العام، والترافع أمام الجهات القضائية، وفي جرائم الوظيفة العامة، وفي جرائم غسل الأموال، وفي الجرائم الاقتصادية).
- دورات في الحاسب الآلي.
- دورة في إعداد المدربين وحصل منها على شهادة مدرب معتمد .
العمل الوظيفي :
عين بعد تخرجه مباشرة من الجامعة معلما في وزارة المعارف، وتم توجيهه للعمل في المنطقة الشرقية، في مدرسة صلاصل الابتدائية، وباشر عمله فيها من تاريخ 9/5/1417هـ، وهذه المدرسة تقع في هجرة صلاصل، تبعد عن مدينة الظهران بما يقارب المائة كيلو متر، وسكن حينها عند شقيقته المقيمة في الظهران، ويداوم من هناك على سيارته الخاصة، ينطلق من البيت قبيل صلاة الفجر، ولا يعود إلا في الظهر مع نهاية اليوم الدراسي، واستمر محافظا على اداء واجباته، سعيد بما يقدمه طوال هذا العام الدراسي، وفي نهاية العام الدراسي قرر نقل خدماته إلى هيئة التحقيق والادعاء العام (النيابة العامة حاليا)، حيث وجد نفسه راغبة في خوض هذه التجربة الحديثة حينها، وبالفعل اكتمل انتقاله إليها، وتم توجيهه إليها في شهر ثلاثة من عام 1418هـ، وباشر العمل في فرع الهيئة بمدينة حائل، واستمر يعمل في هذا الفرع لمدة خمس سنوات، ومع بداية عام ١٤٢٤هـ انتقل بناء على طلبه إلى فرع الهيئة بمكة المكرمة، حيث يقيم والداه، وعمل خلالها في عدد من الدوائر داخل الهيئة، ومارس جميع الأعمال من التحقيق والرقابة والتفتيش، والادعاء العام، والترافع أمام المحاكم الجزائية(وكانت تسمى مستعجلة) والعامة، والترافع لدى ديوان المظالم(المحكمة الإدارة حالياً)، وشارك في العديد من اللجان المتنوعة الأعمال، وعمل في عدد من لجان المراجعة والتدقيق في كافة اختصاصات النيابة، وكلف بالعمل مستشارا في مكتب رئيس الفرع في مكة، وعمل فيه مع عدد من الرؤساء لمدة تسع سنوات تقريباً، وكان يكلف برئاسة دائرة المتابعة، ورئاسة دائرة التعاون الدولي، بالإضافة إلى عمله مستشارا عند عدم تواجد رؤساء هذه الدوائر، ثم كلف بالعمل في النيابة العامة بمحافظة الطائف لمدة أربعة أشهر، ثم كلف رئيسا للنيابة العامة بمحافظة الجموم، ومكث فيها لحوالي ثلاث سنوات وثمانية أشهر، إلى أن رقي على وظيفة رئيس نيابة الف، في محافظة محايل عسير، وباشر فيها وكلف بالعمل رئيسا لنيابة الادعاء العام، ولا زال هذه عمله حتى كتابة هذه السيرة.
وأثناء عمله بالنيابة في مكة كلف بتدريس بعض المواد، في مدينة تدريب الأمن العام بمكة، لمدة سنتين تقريباً، كما قدم دورة تدريبية في نظام الإجراءات الجزائية وأعمال التحقيق، لضباط وضباط الصف في مدينة تدريب الأمن العام بمكة المكرمة، ودرّس لمدة سنتين دفعتين من ملازمي التحقيق المعينين حديثا في النيابة، عندما عقدت لهم هذه الدورة في كلية الدراسات القضائية والأنظمة في جامعة أم القرى، وقدّم فيها مادتين علميتين بتكليف من جهة عمله، وحضر المؤتمر الأول للمدعين العامين العرب، ومؤتمر اللجنة الدائمة لمكافحة غسل الأموال(الفاتف).
بعض هواياته:
للأسرة التي يعيش فيها المرء دور كبير في التنشئة، وفي تحديد الميول، وكان اكبر الأثر عليه في هذا المحضن العظيم، (كما يقول): كونه نشأ في بيت قاضي فيفاء، وكان دور هذا القاضي النشط، ليس كما هو الآن مقصور على العمل، بل كان له دور ونشاط كبير على مستوى المجتمع والمنطقة، فكان يغشاه كثير من المسؤولين، وأصحاب الحاجات وأصحاب القضايا، بل حتى في المساء وقت الراحة وخارج الدوام كانوا يحضرون إليه أحياناً أشخاصا مقبوض عليهم، ليصادق على اعترافاتهم وإقراراتهم، فضلا عن ما يقوم به من أنشطة دعوية وتعليمية، والعمل الجاد في انشاء المدارس والمطالبة بفتحها، لذلك كان من تأثير هذه الشخصية العظيمة عليه، ما كان يشاهده عيانا، فمع كثرة أشغال والده ومشاغله فلا تراه إلا قارئا، وقل أن تراه يدخل أو يخرج بلا كتاب، وكذلك في غرف البيت، وفي مكان نومه تجد الكتاب حاضرا لا يغيب، وهذا بالطبع أثر في شخصية ابنه كثيرا، فكان له حظ واتجاه في هذا الجانب، فهو من هواة الاطلاع والقراءة، واقتناء الكتب، ومما يذكره في هذا الجانب، أنه قرأ كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير، وهو في الصف السادس الابتدائي، رغم ضخامة هذا الكتاب وكثرة مجلداته، وما دعاه إلى ذلك هو الاغراء عندما اشترى والده هذا الكتاب، ووضعه في دولاب المجلس في منزلهم، فتشجع فقرأ فيه ثم شده محتواه إلى المواصلة حتى انتهى منه، فأصبحت القراءة عادة ملازمة له، ولجميع اخوانه لهذه الأسباب، فوجود القدوة من الوالد، مع توفر الكتاب، وسهولة الاطلاع عليه.
الحالة الاجتماعية:
زوجته هي ابنة عمه الفاضلة الاستاذة وفاء بنت سليمان قاسم آل طارش، معلمة لغة انجليزية، ومربية فاضلة وام رؤوم، رزقا بخمسة من الولد، ابنتان وثلاثة ابناء، وهم على النحو التالي :
- رفاء خريجة كلية الطب من جامعة أم القرى أخصائية تمريض.
- ميس طالبة في كلية الطب جامعة أم القرى، تدرس في السنة الثالثة، وتخصصها رعاية تنفسية.
- حاتم طالب في الصف الثاني ثانوي.
- حازم طالب في الصف الأول متوسط.
- تميم طالب في الصف الأول الابتدائي.
سيرة الشيخ: إبراهيم بن علي قاسم آل طارش الخسافي الفيفي
بارك الله فيهم وحفظهم ، وبارك فيها من اسرة جادة، وبارك الله فيه ووفقك وزاده رفعة وعلوا وعلما وفضلا، ونفع به وكثر في مجتمعاتنا من امثاله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الرياض في 1444/6/26هـ
- علّمني عصفور كيف الوفاء
- فيديو نيوم يا نادي الآمال .. إيقاع الحلم نحو القمة
- جبل طلان آل علي
- حكاية حجرٍ فيفاء الذي يحرس الذاكرة
- قصيدة الطموح




