
في قلب البحر الأحمر، تقف جزيرة فرسان شاهدةً على زمنٍ صاغته الأمواج، ودوّنته الرياح على جدرانٍ من حجرٍ مرجانيٍ أبيض، حمل دفءَ الشمس وملح البحر معاً. هنا لا تُبنى البيوت فقط، بل تُروى الحكايات، وتتشكل الذاكرة في هيئة عمارةٍ تنتمي إلى الأرض بقدر انتمائها للبحر.
النمط العمراني في فرسان ليس طرازاً معمارياً عابراً، بل هو انعكاسٌ صادقٌ لبيئةٍ ساحليةٍ صنعت تفاصيلها بعناية. الأحجار المرجانية المستخرجة من أعماق الشعاب شكّلت الجدران، والجص المحلي زيّن الواجهات بزخارف دقيقة، فيما احتضنت الأسقف المستوية نسائم الليل، لتكون فضاءً للحياة ومجلساً للنجوم.
وتبرز معالم تاريخية تجسد ذروة الازدهار التجاري الذي عرفته الجزيرة، مثل بيت الرفاعي الذي يقف شامخاً بزخارفه ونقوشه الإسلامية، ومسجد النجدي الذي تتجلى فيه براعة الفن المعماري ودقة التفاصيل، شاهداً على مرحلةٍ كانت فيها فرسان محطةً بحريةً نابضةً بالحياة والتجارة.
الأزقة الضيقة المتعرجة لم تكن مجرد ممرات، بل كانت فلسفة بناءٍ تحتمي من وهج الشمس، وتمنح الخصوصية لأهل البيوت المتجاورة. تتعانق الجدران لتصنع ظلالاً وارفة، وكأنها تتكئ على بعضها البعض في تضامنٍ إنسانيٍ صامت.
إن عمارة فرسان تُجسد توازناً فريداً بين البساطة والجمال، بين الوظيفة والروح. هي عمارةٌ وُلدت من الحاجة، لكنها ارتقت بالذوق، فصارت جزءاً من هوية الجزيرة وملامحها الثقافية. واليوم، ومع الاهتمام المتزايد بالحفاظ على التراث العمراني، تتجدد الدعوات لصون هذه الكنوز المعمارية، بوصفها ذاكرة وطنٍ صغيرة في مساحتها، عظيمة في معناها.
فرسان ليست جزيرةً فحسب؛ إنها نصٌّ مفتوحٌ على صفحة البحر، كتبه الأجداد بحجارة المرجان، وتركوه أمانةً في أعناق الأجيال





