لا تجعلوا العطاء موسميًا !!

بقلم: صَالِح الرِّيمِي
الفقراء لا يظهرون فجأة في رمضان.. نحن من يختفي في بقية العام»، أعجبتني هذه التغريدة، وفي نفس اليوم سألني أحد الأصدقاء لماذا يتم التفاعل مع الحالات الإنسانية في شهر رمضان أكثر؟ سؤال جميل ويمسّ جوهر الإنسان ..
والسؤال الأعمق… هل الناس تتغير فعلًا في رمضان؟ أم أنها تُذكر بفضل الأجر في رمضان؟
وربما رمضان لا يجعلنا أكثر إنسانية، بل يكشف إنسانيتنا التي أهملناها أحد عشر شهرًا.
والجواب؛ لأن رمضان لا يغير الواقع، بل يوقظ القلب، وفي هذا الشهر تتداخل عدة عوامل تجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه الألم: حين يجوع الجسد، تصحو الروح، والصيام يذكر الإنسان بحاجته وضعفه، فيشعر بوجع الفقير لا كمعلومة بل كتجربة ..
أيضًا في رمضان مضاعفة الأجر أكثر، وثقافة الأجر المضاعف تحفز الناس على البذل، كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ…﴾، فتتحول الصدقة في رمضان من خيارٍ مستحب إلى سباق محمود.
أيضًا من الأسباب الجو العام للمجتمع في رمضان تصنع مناخًا عامًا يُشجع على العطاء، فيصبح البذل “عدوى خير”، غير الإحساس الجميل بمشاركة الآخرين الإفطار الجماعي، والسحور، وصلاة التراوي، هذه كلها تُعيد للإنسان شعوره بالانتماء، فيشعر أن ألم المحتاج ليس بعيدًا عنه، والعطاء أسرع طريقٍ ليشعر الإنسان أنه أصلح شيئًا في داخله ..
وفي رمضان، تتبدل ملامح العالم، نرى الوجع بوضوح، ونسمع أنين المحتاج كأنه صادر من داخلنا، وتمتد الأيادي أسرع، وتلين القلوب أكثر، وتصبح كلمة “تبرع” أقرب إلى القلب من أي وقتٍ آخر.
لكن… ماذا يحدث بعد رمضان؟
هل كانت الرحمة صادقة… أم كانت مؤقتة؟
هل تغيّرنا حقًا… أم تأثرنا بالأجواء فقط؟.
أجيب بأن رمضان لا يزرع الخير فينا؛ فالخير موجودًا في الأصل في نفوسنا، فقط رمضان يزيل الغبار عن قلوبنا، والصيام ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تدريبٌ يومي على الإحساس بالآخر، حين يجوع الغنيّ ساعات، يفهم قليلًا كيف يعيش الفقير عمرًا كاملًا ..
وحين يعطش القادر، يدرك أن الماء الذي يشربه كل يوم نعمة لا تُرى إلا حين تُفقد، في رمضان، نحن لا نصبح ملائكة، نحن فقط نستعيد إنسانيتنا التي أرهقتها السرعة، وأغرقها الانشغال.
والمشكلة ليست في أن رمضان ينتهي، بل في أننا نعلق الرحمة على التقويم، ونؤجل العطاء إلى الموسم القادم، كأن الفقير يتوقف عن الجوع بعد العيد، وكأن الألم ينتظر الإعلان الرسمي بانتهاء الشهر، ورمضان مدرسة، نعم، لكن المدرسة لا تُقيم لتُحب الجدران، بل لتُغير السلوك، فإن خرجنا منه كما دخلنا، فقد صمنا عن الطعام ولم نصم عن القسوة ..
والحقيقة البسيطة التي لا نحب مواجهتها:
الإنسان الذي كان كريمًا في رمضان، قادر أن يكون كريمًا في كل وقت كان، والقلب الذي لان في ليلة قدر، يمكنه أن يلين في ليلة عادية من ليالي العام، فالرحمة ليست عبادة موسمية،
إنها هوية، فلا تجعلوا إنسانيتكم ضيفة شرف في رمضان، ولا تجعلوا العطاء مرتبطًا بمضاعفة الأجر فقط، فأعظم الأجور أن تبقى إنسانًا حين لا يراك أحد.
ترويقة:
لا تجعلوا العطاء موسميًا، بل اجعلوه أسلوب حياة مستدام، فعمل الخير فضيلة تسمو بالنفوس وترفع مكانتها، ويستمر أثره خارج إطار المواسم كرمضان أو الأعياد ..
العطاء الحقيقي نابع من صدق النية، يُزهر في كل مكان ويترك أثرًا لا تمحوه الأيام، سواء كان ماديًا أو معنويًا، دون انتظار شكر أو مقابل، ورمضان لا يحتاج أن يبقى في التقويم، بل أن يبقى في القلب، ومن فقد رمضان في قلبه بعد العيد فقد أعظم ما جاء به رمضان.
ومضة:
في النهاية رمضان لا يقاس بعدد الموائد، بل بعدد القلوب التي بقيت حيّة بعد رمضان، فإن أردنا جيلًا لا ينتظر المواسم ليكون إنسانيًا، فلنبدأ بأن نكون نحن كذلك.
كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك
- على ثَراكَ مُنْطَرِحٌ
- “مدرك”… من فكرة توعوية إلى قصة وعي مجتمعي تتجدد للموسم الثالث في جازان
- أطفالنا… فرحة المكان وروح الحكاية
- مركاز حارة الأمجاد بالمباركة يواصل أنشطته الرياضية والمجتمعية
- دُعاءُ الوفاء.. لِأهلِ الجُودِ والخَفَاء



