الأخبار

وادي الجحود: صراع “التكوين” و”اللسان” في إنقاذ الأمة​عتبة الموروث: حكاية الوادي

يحيى محمد البكري - جازان - صحيفة بصمة اون لاين

​يحيى محمد البكري – جازان – صحيفة بصمة اون لاين

في ذاكرتنا الشعبية قصة تختزل مأساة “الولاء والبراء” في جملة واحدة. يُحكى أن عجوزاً جرفها سيلٌ هادر، فاستغاثت بحفيديها الواقفين على الضفة: أحدهما حفيدها من “ابنتها” (عربي اللسان)، والآخر حفيدها من “ابنها” (عربي التكوين).

​وقف حفيد البنت مكتوف الأيدي، يراقب الأمواج وهي تبتلعها، وببرودٍ قاتل قال: “واللهِ ما هي عاري، ولا عار أبي!”. أما حفيدُ الابن، فلم يرتدّ له طرف، ولم يسأل عن عمق الماء، بل صرخ صرخةً هزت الجبل: “ولكنها عاري وعارُ أبي!”، وألقى بنفسه في أتون الوادي يصارع الموت ليدفع عن اسمه وتاريخه “وصمة” الضياع.


​وعندما أخرجها بجهدٍ جهيد، وبشراسةِ من يقاتلُ الموت، لاحظت العجوز كدماتٍ على جسدها من أثر “جذبه” العنيف لها، فالتفتت إلى حفيد البنت المتخاذل وقالت بمرارةٍ مغلّفة بالعاطفة: “الصديق ابن الصديقة ما لقي في الماء طريقة، والعدو ابن العدوة تعّني تعّة بقوة!”.


​أولاً: “عربي التكوين”.. فداءُ الفطرة وضريبةُ “العار”
​هذا “الحفيد” (ابن الابن) يمثل اليوم “عربيَّ التكوين”؛ ذاك الذي لا يملك ترف “الحياد” أمام التهديدات الوجودية التي تعصف بكيان الأمة. إن دفاعه عن العروبة ليس “خياراً سياسياً” يضعه في ميزان الربح والخسارة، بل هو “قدرٌ بيولوجي” وتاريخي.


​حين يرى “عربي التكوين” (العمق العربي الأصيل) الأمةَ تنجرف نحو مشاريع إقليمية غريبة، فإنه لا يكتفي بالشعارات؛ لأن سقوط الأمة يعني سقوط “بيته” و”اسمه” و”عرضه”. هو الذي يقتحم الوادي، ويواجه العواصف، ويتحمل “شراسة” القرارات الصعبة لحماية الأمن القومي. ولأن الإنقاذ في اللحظات الحرجة لا يكون بالحرير والكلمات المعسولة، بل بالبأس والشدة، فإن الأمة (العجوز) غالباً ما تسيء فهم هذا “البطل المظلوم”. هي تراه “عدواً” أو “غليظاً” لأنه آلمها وهو يسحبها من فوهة الفناء، متناسيةً أن تلك “التعة” العنيفة كانت هي الفارق الوحيد بين الحياة والموت.


​ثانياً: “عربيُّ اللسان”.. بلاغة الضفة وسراب الصداقة


​على الضفة الأخرى، يقف الحفيد الآخر (ابن البنت)، وهو الذي يمثل اليوم “عربيَّ اللسان”. ذاك الذي يربطه بالأمة “هوى” اللغة، وحلاوة الشعارات، ودغدغة المشاعر الزائفة. إن موقفه في الوادي كان صريحاً في نبرته: “ليست عاري ولا عار أبي!”.


هو يرى في قضايا الأمة الوجودية مجرد “قضية خارجية” أو “تحالف مصلحة”. يملك رفاهية الوقوف متفرجاً، يوزع الابتسامات والتعازي، ويطلق الوعود التي لا تبتل بقطرة ماء.

​ولأن “ابن البنت” لم يلمس جسد العجوز بخشونة المنقذ، ولم يضطر لاتخاذ قرارٍ جراحي مؤلم، فقد بقي في نظرها “صديقاً حنوناً”.


لقد سرق “ابن اللسان” قلب الأمة بقعقعة الشعارات، مستغلاً غياب “عربي التكوين” المنشغل بصراع الموج. هو البطل الذي يمدحه الجميع لأنه لم يخدش شعور أحد، رغم أنه لم ينقذ أحداً!

​ثالثاً: مأساة “الغرف المغلقة”.. غياب البطل وحضور “الكنّة”


​وهنا نصل إلى لبّ المعضلة؛ فالمعركة الحقيقية لا تُدار في الوادي فحسب، بل في “خبايا الصدور وغرف المشاعر”. في تلك الجلسات التي تجمع العجوز (الأمة) بابنتها (القوى العاطفية). الحكايةُ تُصاغُ هناك في غياب “ابن الابن”.


​البنت (صاحبة اللسان) تملك مفتاح قلب أمها، تهمس لها عن “لطافة” ابنها الذي لم يجرؤ على إيذاء مشاعر الجدة في الماء، وتصور له تخاذله حكمة، وصمته وقاراً. أما “ابن الابن” (عربي التكوين)، فمن يمثله في تلك الغرف؟ لا أحد سوى أمه (الكنّة).


والكنّة في موروثنا هي “الغريبة” التي يُنظر لقولها بعين التوجس والشك. فإذا دافعت عن ابنها المغامر، قيل: “تتحيز لولدها”، وإذا شرحت ضرورة “التعة والقوة” للنجاة، قيل: “هذا طبعها الغليظ”. لقد حُكم على “عربي التكوين” بالخسارة في صالونات العاطفة، لأنه لا يملك “لسان” البنت، ولا يحظى بدلال “ابن الصديقة”. هو الحاضرُ فعلاً، الغائبُ تقديراً، والمُدانُ نجاةً!

​خاتمة سعودية: “فزعة التكوين” وضريبة الريادة


​وفي خضم هذا الوادي الهادر، تتجلى “المملكة العربية السعودية” اليوم كأصدق تجسيدٍ لـ (ابن الابن)؛ ذاك الذي لم يبع الأمة شعاراتٍ على الضفة، بل ألقى بكيانه وثقله ومستقبله في خضم “الإنقاذ الوجودي”. نحن في هذه الأرض الطاهرة، محكومون بـ “فطرة الريادة”؛ لا نرى في حماية أمن العرب مجرد “سياسة”، بل نراها “عقيدةً وعاراً” لا يُغسل إلا بالمواجهة.


​وحين اضطرت المملكة لاتخاذ قراراتٍ حازمة، خشنة، وصريحة لحماية جسد الأمة من التفتت، كان صوت “ابن البنت” (عربي اللسان) يرتفع بالنقد من فوق الضفاف الآمنة، وكانت “العجوز” (بعض جماهير الأمة) تلتفت بعاطفتها لمن يمنيها بالأماني الكاذبة، وتعاتب من سحبها بقوة من حافة الهاوية. لكن “ابن الابن” السعودي، المعتدّ بتاريخه والواثق بخطواته، لا ينتظر “صك غفران” من الغرف المغلقة التي يملؤها الضجيج. هو يعلم يقيناً أن “التعة بقوة” هي التي حفظت ما تبقى من كرامة العرب، وأن التاريخ -حين يجفّ طين الوادي- لن يذكر إلا من بلّل ثوبه بالدماء والعرق لينقذ الغريق، أما “صديق ابن الصديقة” فسيظل مكانه على الضفة.. مجرد “حكاية” بلا أثر، ولساناً بلا فعل.


​نحن “أهل البيت”، وحماته، وسدنته؛ وإن شقّ على العجوز فضلُنا اليوم، فسيأتي يومٌ تدرك فيه أن “خشونة المنقذ” كانت هي أسمى آيات الرحمة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى