الأخبارمقالات

منال القحطاني.. أثرٌ إنساني نُقش على الرخام

اليوم وطن الانسانية يكرمها

كتبه : حسن مفرح الفيفي
صحيفة بصمة اون لاين

في هذه الحياة تمضي أسماء كثيرة، بعضها يمر كالغيم العابر، وبعضها يبقى أثرًا لا تمحوه الأيام، لأن خلف الاسم موقفًا عظيمًا، وقصةً كتبتها الإنسانية بدموع الوفاء والتضحية.

ومن بين تلك الأسماء يبرز اسم منال القحطاني، كحكاية إنسانية نادرة، سطّرت معنى البر، ورسمت صورة الابنة التي لم تتردد لحظة في أن تهب جزءًا من روحها لأجل والدها.

كانت منال تعيش حياةً بسيطة هادئة، كأي فتاة تحمل الأحلام في قلبها، تستيقظ كل صباح على أمل يوم جديد، تؤدي صلاتها، وتردد بدعاء المؤمن الواثق:

اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدًا فقربه، وإن كان قريبًا فيسره، وإن كان قليلًا فكثره، وإن كان كثيرًا فبارك لي فيه.

ثم تمضي إلى عملها بابتسامة المتفائل بالله، تعود بعدها لأسرتها، تمارس تفاصيل الحياة اليومية بكل حب ورضا، حتى جاء اليوم الذي تبدل فيه كل شيء.

مرض الأب…

ذلك السند العظيم، والظل الذي تستند إليه الأرواح حين تتعبها الحياة.

ظنت في البداية أن الأمر عارض صحي بسيط، لكن القدر كان يخبئ امتحانًا أصعب مما تتخيل.
تفاقم المرض، وأصبح والدها يصارع مرضًا عضالًا في الكبد، بينما كانت هي تركض بين الأمل والخوف، تبحث عن أي نافذة تنقذه من الألم.

حتى جاء صوت الطبيب كوميض نور في آخر النفق:

“هناك فرصة للعلاج… لكننا نحتاج متبرعًا بجزء من الكبد.”

في تلك اللحظة لم تنتظر منال تفكيرًا، ولم تطلب مهلة، ولم تستشر أحدًا، بل قالت بقلب ابنة عاشقة لأبيها:

خذوا كبدي كله وخذو قلبي معه… المهم أن يعيش أبي.

أي قلبٍ هذا؟
وأي وفاء يمكن أن يبلغ هذه الدرجة من التضحية؟

شاء الله أن تكون الفحوصات متطابقة، وتم تحديد موعد العملية، وعادت الابتسامة إلى وجهها بعد أيام طويلة من القلق، وكأن الحياة بدأت تستعيد لونها من جديد.

لكن الأقدار كانت أسرع…

فبينما كانت الاستعدادات تكتمل للعملية، رحل الأب إلى جوار ربه، تاركًا خلفه قلبًا مكسورًا، وابنةً كانت مستعدة أن تمنحه جزءًا من جسدها قبل قلبها.

رحل وهو يحمل في عينيه رضا أبٍ عرف أن ابنته بلغت من البر منزلة لا توصف.

عاشت منال أيامًا ثقيلة من الحزن والفقد، لكن عزاءها الوحيد كان تلك النية الطيبة التي رفعتها عند الله درجات، فالنية الصادقة لا تضيع، وإن لم يكتمل الطريق.

عادت إلى عملها محاولة أن تهزم الحزن بالانشغال، وبين زملائها الذين أثنوا على موقفها النبيل، بدأت الحياة تستعيد شيئًا من هدوئها.

لكن القدر لم يكن قد أنهى رسالته بعد…

في أحد الأيام تم تكليفها بالسفر إلى مدينة الرياض لحضور مؤتمر إعلامي، فقد كانت تمارس العمل الإعلامي بحكم وظيفتها.

انطلقت في طريقها وهي تردد دعاء السفر، وفجأة رن هاتفها برقم غريب.

كان الاتصال من مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث من قسم زراعة الكبد في المستشفى.

قال المتصل:

الأخت منال… لدينا طفلة صغيرة من مكة المكرمة تم نقلها بواسطة الإخلاء الطبي تعاني فشلًا كبديًا تامًا، وحياتها مهددة خلال يومين إذا لم يتوفر لها متبرع.لا تملك الكثير من الوقت ، وقد وجدنا أن فحوصاتك مطابقة، فهل توافقين على التبرع بجزء من كبدك لها؟

هنا فقط تظهر المعادن الحقيقية للإنسان…

لم تسأل من تكون الطفلة، ولا ما اسم عائلتها، ولا ماذا ستكسب مقابل ذلك.

قالت كلمة واحدة فقط:

“نعم.”

وهكذا تغيّر طريق المؤتمر الإعلامي إلى طريق إنقاذ حياة.

دخلت بطلتنا منال غرفة العمليات، لا لتحقق بطولة تبحث عنها الكاميرات، بل لتمنح طفلة مجهولة عمرًا جديدًا.

بعد نجاح العملية…

يروي الجراح أنه سألها إن كانت الطفلة ابنتها أو شقيقتها، فأجابته بأنها لا تعرف عنها شيئًا، سوى أنها تحتاج إلى من يمنحها فرصة للحياة، ليرد الطبيب قائلاً: “كل جزء فيها يشبهك، حتى على مستوى الخلايا وجزيئات الدم.

خرجت من غرفة الإقاقة لتجد بجانبها اما بمثابة الام الثانية لها كانت ام الطفلة التي كانت تحمل هم الأمل بأن تقوم تلك الارواح بالسلامة فقد عادت الطفلة للحياة، بينما بقيت منال تحمل في داخلها قصة لا تشبه إلا أصحاب القلوب العظيمة وشكرا على مدى الدهر من تلك العائلة ومن المجتمع ومن الانسانية .

كبرت الحكاية، وتناقلتها وسائل الإعلام، وأصبحت منال القحطاني حديث الناس، ليس لأنها أرادت شهرة، بل لأن الإنسانية الحقيقية دائمًا تفرض حضورها.

وفي وطنٍ يعرف قيمة العطاء، تم تكريمها بتاريخ 15/5/2026 من قبل وزارة الصحة السعودية حيث قام بتسليمها هذا التكريم معالي وزير الصحة فهد الجلاجل و تكريم ايضا من شركة الصحه القابضه و كذلك التجمع الصحي الاول في فندق إنتركونتيننتال في جده

فقد تم تكريمها سابقا بدرع من سعادة مدير مستشفى حوطة بني تميم، والمدير التنفيذي لنطاق الخرج الصحي، وإدارة التطوع بجمعية السلام للإغاثة والإنقاذ، فيما تم وضع البنر التذكاري في مستشفى الخرج تقديرًا لهذه المناسبة.

فهناك أسماء تُكتب بالحبر…
وهناك أسماء تُنقش على الرخام.

ومنال القحطاني كانت أثرًا إنسانيًا سيبقى طويلًا…
لأن التضحية حين تكون صادقة، لا تموت أبدًا.


مقالات ذات صلة
إعلامية تنقذ حياة طفلة

بصمة اون لاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى