آداب

جسدي هنا وقلبي هناك

بقلم /محمد باجعفر - صحيفة بصمة أون لاين

قلت لها…
جسدي هنا ..
وقلبي هناك ..
وبالي بعيد جداً …
ما أبسطنا ..
وما اصعب كُل شَيءٍ..!!
لقد
قيل في الشوق ..
ظمأ الروح لاراحه له ..
فقالت لي …
اكتفيت بك..
فاصبحت أراك…
في كل وجوه البشر


حقأ فنحن ننسج من خيوط كلماتنا ثوباً يصف تلك الحالة الوجدانية العميقة بين التشتت، والشوق، والاكتفاء:
​مرافئ الحنين..
ووهم المسافات
​في اللحظة التي قلت فيها: “جسدي هنا..
وقلبي هناك”،
لم يكن أقصد بها وصفأ مكاناً جغرافيّاً فحسب،
بل كنت اعلن عن انشطار الروح.


إنها تلك اللحظة التي يصبح فيها الحضور مجرد “واجبٍأ”
والغياب هو “الحقيقة” الوحيدة.


ما أبسط الكلمات حين تخرج من الشفاه،
وما أثقل وطأتها حين تستقر في الصدر؛
فنحن كبشر، نبدو بسطاء في تكويننا،
لكننا نحمل في داخلنا مجراتٍ من التعقيد، ودروباً من الوجع لا يقطعها إلا صوت
من نحب.


​ظمأ الروح الذي لا يرتوي
​الشوق منه ..
ليس مجرد رغبة في اللقاء،
بل هو “ظمأ الروح” الذي لا يبلله نهر،
ولا تطفئه سحابة.


هو ذلك الشعور بأن ثقباً في الوجود لا يمكن ردمه إلا بوجهٍ واحد.
حين نشتاق، تصبح المسافات وحوشاً كاسرة، ويصبح الزمن عدواً لدوداً يسرق من عمرنا دقائق الانتظار.


إنه العطش الذي يسكن الوجدان،
فلا الراحة تزوره،
ولا النوم يجرؤ على ملامسة جفونه،
طالما أن “القلب” ما زال عالقاً في “هناك” البعيدة.
​فلسفة الاكتفاء..
حين يغدو الواحدُ كُلّاً
​ثم جاء ردها كنسيمٍ يهدئ ثورة ذلك الظمأ:
“اكتفيت بك”.


هذه ليست كلمة عابرة، بل هي إعلان استغناء عن العالم بأسره.
حين يكتفي المرء بمن يحب،
يحدث تحولٌا سحريا في الرؤية؛
تتوقف العيون عن رصد التفاصيل،
وتبدأ في البحث عن “الأثر”.


فجأة،
تصبح وجوه البشر مجرد مرايا تعكس ملامحه هو:
​في زحام الطرقات..
تلمح مشيته.


​في نبرات الغرباء..
تسمع صدى ضحكته.
​في صمت العابرين..
تقرأ رسائله.


​”أن أكتفي بشخص،
يعني أنني أغلقت أبواب قلبي وأضعت المفتاح في بحره،
فأصبح هو المبتدأ،
وهو الخبر،
وهو كل الوجوه التي

تستحق الالتفات.”

​تعقيد البساطة
​ما أصعب كل شيء حين نحاول شرح الحب،
وما أبسطه حين نعيشه بصمت.


نحن نعيش في مفارقةٍ أبدية: أجسادنا مقيدة بالواقع،
وأرواحنا محلقة في خيالٍ يسكنه شخص واحد.


إنها لعنة الحب الجميلة،
أن تظل “هنا” وأنت في الحقيقة تسكن
“هناك”، وأن تمضي في حياتك وأنت تحمل في جيبك اكتفاءً يجعلك ترى العالم كله..
في وجهٍ واحد.


هذه الكلمات ليست مجرد عبارات،
بل هي ترجمة شعورية لحالة التشتت والولاء العاطفي الذي يفرضه الحب والشوق.
ف​ثلاثية الاغتراب
(الجسد، القلب، البال):
وصفا بليغأ لحالة “الغياب الحاضر”.


فالجسد مجرد هيكل، بينما تسافر الروح إلى حيث يسكن المحبوب.
فهذا التشتت هو ما يجعل الأشياء بسيطة في معناها (مجرد مشاعر)
ولكنها معقدة وصعبة في وطأتها على النفس.


​ظمأ الروح:
وصف الشوق بالظمأ الذي “لا راحة له” يعكس الجانب الوجودي للاحتياج.
هو ليس عطشاً للماء،
بل عطشاً للسكينة التي
لا تتحقق إلا باللقاء.


​وحدة الوجوه (اكتفيت بك):
فردّها جاء كحسم عاطفي. حين يصل الحب إلى مرحلة “الاكتفاء”،
تتوقف العين عن البحث، ويبدأ القلب بإسقاط صورة المحبوب على كل العابرين. هي لا ترى الغرباء، فحسب
بل ترى أجزاءً منه في
كل وجه تقابله.


​”فما أصعب أن نكون في مكانٍ..
ونحنُ في الحقيقةِ نسكنُ
في مكانٍ آخر.


أن نبتسم للغرباء،
بينما أعيننا تبحثُ في ملامحهم عن ضحكةٍ نعرفها،
وعن نبرةِ صوتٍ ضاعت
في زحامِ المسافات.


الاكتفاء ليس حبساً،
بل هو تحررٌ من الجميع.. لنسجن أنفسنا بمحض إرادتنا في شخصٍ واحد.”


​كلمات حساسة جمعت بين رقة البساطة وعمق الوجع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى