
بقلم : أحمد الفيفي .
صحيفة بصمة اون لاين
من أعمق المشكلات التي يقع فيها كثير من الناس أنهم لا يعيشون حياتهم على الحقيقة، وإنما يعيشون حياة غيرهم على نحوٍ غير مباشر. يراقبون، ويقارنون، ويتأملون، ويتتبعون، حتى تمضي الأيام، ويبهت العمر، وهم في شغلٍ دائم بما عند الآخرين، وما يفعلونه، وكيف يتقدمون، وكيف يتبدّلون. فينشأ في الداخل فراغٌ كبير، وتضجّ النفس بصور الناس، بينما تبقى صورتها عن ذاتها باهتة مضطربة.
وهذه الحالة لا تقف عند حدود التطلّع العابر أو الفضول السطحي ؛ إنما تمتدّ إلى مساحات أعمق. إلى العادات، والعبادات، والقناعات، والقراءات. فتجد بعض الناس لا يبني عادته من وعيه، ولا يثبت على عبادته من بصيرته، ولا يتبنّى قناعته من نظرٍ حرّ، ولا يقرأ ليصوغ نفسه، وإنما يتحرك كثيرًا بدافع النظر إلى غيره؛ ماذا يفعلون، ماذا يقولون، ماذا يتركون، وماذا يتبنّون. وكأن حياته لم تعد نابعة من مركزه الداخلي، وإنما من إرتدادٍ مستمر نحو الخارج.
والحق أن الإنسان حين يعتاد مراقبة الناس، والإصغاء المفرط إلى ما يقال، والانشغال بما يُدار وما يُشاع، فإنما يستهلك طاقته في غير موضعها. يظن أنه واعٍ بما حوله، مع أن وعيه الأجدر هو وعيه بنفسه؛ بضعفه، ونقصه، ومواضع تهذيبه، وأسباب اضطرابه، وما يحتاج إليه من تقويمٍ وبناء. فالذي ينشغل بالناس كثيرًا، يفوته في الغالب أن ينصرف إلى المشروع الأحقّ بالعناية: مشروعه هو.
قرأت مقولة تقول : من لا يشعر بشيء من الحرج مما كان عليه العام الماضي، أو حتى الأمس، فالأغلب أنه لا يتعلّم بما فيه الكفاية.
لأن التعلم الحقيقي لا يظهر في كثرة ما نرصده من أحوال الآخرين، وإنما يظهر في قدرتنا على مراجعة أنفسنا، ورؤية ما كان فينا من سذاجة، أو فضول، أو اندفاع، أو انشغال بما لا يعنينا. حينها فقط يبدأ النضج. حين يستحي الإنسان من بعض صوره القديمة، لا احتقارًا لذاته، بل لأنه تجاوزها، وارتقى عنها، وصار أبصر بنفسه من ذي قبل.
أما المنشغل بنفسه فعلًا، فهو في الغالب منشغلٌ عن غيره. ليس تكبرًا، ولا جفاءً، ولا ادعاءَ رفعة، وإنما لأن في داخله عملًا كثيرًا، وبناءً لا ينقطع. يراجع عاداته، ويهذّب عباداته، ويمتحن قناعاته، ويصقل قراءاته، ويشتغل على إصلاح فكره وروحه ومساره. ومن كان هذا شأنه، ضاق وقته عن فضول التتبع، وخفّ التفاته إلى الضجيج، ولم يعد لديه متّسع واسع لما يقال، أو يُدار، أو يُشاع.
وفي داخله ينشأ شيء نفيس، لا يتكرر كثيرًا في الناس: ترفّع جليل. ترفّع هادئ، لا يعلنه صاحبه، ولا يتكلّفه، ولا يطلب به صورةً أمام أحد. هو سموّ داخلي، ناتج من امتلاء النفس بما هو أولى، وارتفاع الهمّة عن الاستهلاك اليومي للناس وأخبارهم وأحوالهم. فكلما عظُم اشتغال الإنسان بنفسه، قلّ اشتغاله بغيره، وكلما ازداد رسوخًا في الداخل، خفّ اضطرابه بما يدور في الخارج.
إن أكثر الناس تعبًا ليسوا دائمًا أكثر الناس معاناة من ظروف الحياة، وإنما أكثرهم تبديدًا لأعمارهم في متابعة حيوات الآخرين. ينظرون طويلًا، ويقيسون كثيرًا، ويقارنون بلا توقف، حتى تفلت منهم حياتهم وهم يحسبون أنهم ما زالوا في أول الطريق. بينما الإنسان الناضج يعرف أن العمر أقصر من أن يُستهلك في المراقبة، وأن النفس أولى بالنظر من الخلق، وأن النجاة الحقيقية تبدأ من الداخل؛ من لحظة يلتفت فيها المرء إلى نفسه بصدق، ويقول: هنا موضع العمل، وهنا موضع الإصلاح، وهنا الحياة التي ينبغي أن أعيشها.
فالذي يعيش حياته حقًّا، لا يملك فراغًا كبيرًا للضجيج. والذي يبني نفسه بجدّ، لا يلتفت كثيرًا إلى الظلال العابرة. والذي عرف طريقه، خفّ عليه أن يترك ما يُشاع، وما يُقال، وما يُدار، وراء ظهره، ويمضي. وفي هذا المضيّ الهادئ كرامةٌ خفية، ونبلٌ داخلي، وعلوّ نفسٍ لا يصنعه التظاهر، وإنما تصنعه يقظة صادقة، وهمة شريفة، وترفّع جليل.
- الشؤون الإسلامية بجازان تختتم مشاركتها في معرض الدوائر الحكومية المصاحب لقافلة التنمية الرقمية
- ورشة إعلامية بفعاليات حصاد المانجو تسلط الضوء على دور الإعلام في تعزيز الوعي البيئي
- “فرسان الأدب” يفتتح أول لقاءاته بحضور الدكتور ناصر الخرعان وسط حوار ثقافي ثري
- حين تنسى أن تعيش !
- فيفاء الإنسان والطبيعة ترحب بسعادة المحافظ



