مقالات

أيهما أثقل: الفرح أم الحزن؟

د. مصلح البركات

سؤال يبدو في ظاهره عاطفيًا، لكنه في عمقه اجتماعيٌّ وثقافيٌّ بامتياز. اعتدنا أن نُسلِّم بأن الحزن أثقل وطأة، وأن الفرح خفيفٌ كنسمة عابرة، غير أن نظرةً متأنية تكشف أن الأمر ليس بهذه البساطة، بل قد يكون العكس أقرب إلى الحقيقة.

الحزن – في صورته الأكثر شيوعًا – تجربة داخلية، صامتة، ينكمش فيها الإنسان على نفسه. قد يحزن المرء دون أن يعلم به أحد، بل قد يتقن إخفاءه خلف ابتسامة عابرة أو صمت طويل. الحزن لا يحتاج إلى دعوات، ولا إلى قاعات، ولا إلى ترتيبات، ولا إلى إنفاق. هو شعور ينشأ في الداخل ويظل في الداخل غالبًا. قد يبوح به الإنسان لصديق مقرّب، وقد يدفنه في قلبه سنوات. لذلك فإن ثقله نفسيٌّ وجوديٌّ، لكنه محدود الدائرة، لا يتطلب جمهورًا، ولا يفرض نفسه على الآخرين.

أما الفرح، فهو على خلاف ذلك، شعور لا يكتمل – في ثقافتنا – إلا بالآخرين. الفرح يُعلن، ويُنادى له، ويُهيّأ له المكان والزمان، وتُبذل لأجله الأموال. هو مناسبة عامة، لا حدثًا خاصًا. في حفلات الزواج مثلًا، أو مناسبات النجاح، أو تكريم الفائزين أو حتى توديع المتقاعدين ، يتحول الفرح إلى مشروع اجتماعي كامل، تُحشد له الطاقات، وتُصرف له الموارد، ويُنتظر حضوره من الجميع. الفرح هنا ليس إحساسًا عابرًا، بل التزامًا جماعيًا.

ولعلنا نستحضر قول الله تعالى في سورة القرآن الكريم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، فالفرح في أصله قيمة إيجابية، لكنه حين يتحول إلى مظاهرة اجتماعية قد يثقل على صاحبه أكثر مما يخفف عنه. كم من إنسانٍ دخل مناسبة فرحه مثقلًا بالديون! وكم من أسرةٍ أنهكها السعي لإرضاء توقعات المجتمع! هنا يصبح الفرح عبئًا اقتصاديًا ونفسيًا، لا لذاته، بل لما أُلصق به من شروط.

وفي المقابل، قد يختار الحزين عزلته، لا يطلب مواساة، ولا يفرض حزنه على أحد. حتى في حالات الفقد – وهي من أقسى الأحزان – نجد أن دائرة الحزن غالبًا ما تضيق مع الزمن، ويعود الناس إلى حياتهم، بينما يبقى الفرح، حين يُعلن، حديث المجالس، وصورًا متداولة، ومقارنات لا تنتهي.

المفارقة أن أصحاب الفرح يريدون لفرحهم أن ينتشر، أن يُرى ويُسمع ويُحتفى به. أما أصحاب الحزن فكثيرًا ما يريدونه سرًّا بينهم وبين قلوبهم. الفرح بطبيعته اجتماعيٌّ توسّعي، والحزن فرديٌّ انكماشي. ومن هنا يمكن القول إن الفرح – بصيغته الاجتماعية المعاصرة – قد يكون أثقل كلفةً وأوسع أثرًا.

النظرة السائدة التي تجعل الحزن أثقل من الفرح تنطلق من قياس الألم بالشعور، لا بالكلفة. نعم، الحزن موجع، لكنه لا يستدعي قاعةً فاخرة، ولا مأدبةً عامرة، ولا مجاملاتٍ متبادلة. أما الفرح، فغالبًا ما يُحمَّل بما لا يحتمل، فيتحول إلى اختبار اجتماعي: من حضر؟ من اعتذر؟ من قدّم؟ من لم يقدّم؟ وهنا يتحول الفرح من نعمةٍ خالصة إلى معادلة حسابية دقيقة.

ليس المقصود التقليل من شأن الحزن أو تعظيم عبء الفرح، بل إعادة النظر في الفكرة الشائعة. ربما كان الأثقل هو ما نُثقل به مشاعرنا، لا المشاعر نفسها. فإذا تحرر الفرح من المباهاة والمقارنات والكلفة المفرطة، عاد خفيفًا كما ينبغي. وإذا أُحسن التعامل مع الحزن، صار طريقًا للنضج والسكينة.

بين الفرح والحزن مساحة إنسانية واسعة، لكن الحقيقة التي نغفلها أن الفرح – حين يُربط بالناس والمال والتوقعات – قد يكون أثقل مما نظن، بينما الحزن، على قسوته، يظل في كثير من الأحيان تجربةً شخصيةً صامتة، لا تُرهق إلا قلب صاحبها.

تعليق واحد

  1. ماشاء الله تبارك الرحمن
    مقال رائع بامتياز دكتور مصلح. نعم بين الفرح والحزن مساحة إنسانية واسعة ..الأغلب يُريد من يتشارك معه فيهما
    لكن عندما نُعطي المساحة الأكبر للحزن فإنه يتوسع في دائرة المشاعر التي قد نؤذيها دونما نلحظها تنكمش على نفسها وتقلل مساحتها الاجتماعية فتضعف قدرتها على استقبال ما يُسعدها تضل حبيسة فتذبل مع الوقت كالزهرة التي فقدت الماء والهواء. وهذا يحتاج إلى توازن بين الفرح والحزن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى