مقالات

البُعد والاقتراب مسافة بين الفقد والنجاة

كتبه محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ليس كلُّ اقترابٍ يمنح دفئًا، ولا كلُّ حضورٍ يُشبه الوطن. فثمّة علاقات تبدأ بوعد الطمأنينة، وتدخل حياتنا محمولةً على حسن الظن، ثم لا تلبث أن تتحوّل، ببطءٍ خفي، إلى عبءٍ ثقيل. عبء لا يُرى في بدايته، لكنه يُستشعر مع الوقت، حين يصبح القرب مصدر قلق، والحضور استنزافًا لا يُقال.

كثيرًا ما نُربك المعاني، فنظنّ أن البُعد خسارة مطلقة، وأن الرحيل فشل، وأن البقاء – مهما كان مُرهقًا – هو الخيار الأجدر بالوفاء. غير أن التجربة تُعلّمنا أن بعض المسافات ليست انسحابًا، بل إعادة تموضع. وأن الرحيل، في لحظات معيّنة، ليس تخليًا عن الآخر، بل إنقاذًا للذات.


حين يُؤلم القُرب، ويغدو الحضور مشروطًا بالتنازل المستمر، يصبح البُعد خيارًا واعيًا لا هروبًا. نختاره بهدوء، لا جفاءً ولا قسوة، بل حفاظًا على روحٍ أنهكها الاستنزاف الطويل. فليس من الحكمة أن نُبقي على علاقة تُرهقنا بحجّة العِشرة، ولا أن نُواصل الحضور في مساحة لا تعترف بحدودنا، ولا تلتفت إلى إنسانيتنا.


الهجرُ الجميل لا يكون صاخبًا، ولا يحتاج إلى بيانات وداع أو مرافعات تبريرية. الهجرُ الجميل أن تمضي دون ضجيج، وأن تترك خلفك من اغتال قلبك دون أن تُحمّل نفسك عبء الكراهية. أن تُغادر وأنت تدرك أن الصمت، أحيانًا، أبلغ من العتاب، وأن السلام الداخلي لا يُنال بكثرة الكلام، بل بحسن القرار.


نحن لا نهجر عبثًا، ولا نغادر تكبرًا، ولا نصمت احتقارًا، ولا نتغيّر دون سبب. كل انسحابٍ هادئ تسبقه محاولات صامتة، وكل بُعدٍ ناضج يولد بعد استنفاد القرب. نصل إلى لحظة يصبح فيها الاستمرار قسوة على الذات، ويغدو البقاء فعلًا من أفعال الإنكار. عندها فقط نختار الأمان، لا لأننا ضعفاء، بل لأننا نحبّ الحياة بما يكفي لنحمي ما تبقّى من صفائنا.


وفي المسافات التي يخلقها هذا الاختيار، تتشكّل بدايات جديدة. قد لا تكون صاخبة ولا مبهرة، لكنها أخفّ وطأة، وأصدق أثرًا. تبدأ الحياة في استعادة توازنها، ويكتشف القلب أن الطمأنينة ليست ترفًا، بل ضرورة. وأن سلامه الأوّل لا يكمن في كثرة من حوله، بل في صدق ما يحتفظ به داخله.


وهكذا، لا يعود البُعد نقيضًا للحب، ولا الاقتراب مرادفًا للأمان. فبينهما مسافة دقيقة، إذا أُحسن تقديرها، تحوّل الفقد إلى نجاة، والرحيل إلى بداية تستحق أن تُعاش.

كتبه محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى