
الخصوصية السعودية على المستوى العالمي
ثالثاً : حمل راية الأمة في كل القضايا ذات البعد الدولي والإنساني
المملكة العربية السعودية هي الدولة المحورية الأولى في العالم العربي والإسلامي ، بحكم مكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية ، وبحكم رؤيتها الثاقبة ، وسياستها الحكيمة ، وشجاعة قيادتها الرشيدة التي لا تتعجل في تصرفاتها ، ولا تتردد في مواقفها إذا لزم التدخل ، ولا تحيد عن مواقفها الثابتة مهما كانت الضغوط أو الإغراءات. وقد انعكس هذا الثقل في دورها الفاعل تجاه القضايا العربية والإسلامية ، سواء عبر المبادرات السياسية ، أو الوساطات الدبلوماسية ، أو الجهود الإنسانية والإغاثية. وسوف أحاول أن أستعرض أبرز القضايا العربية والإسلامية التي أسهمت المملكة فيها إسهاماً مؤثراً يخدم المصلحة العربية والإسلامية ، ويخفف عن شعوب تلك الدول المعاناة ، ويرسم لهم طريقاً إلى حياة كريمة ، ومستقبل باسم مشرق.
وقد سبق الحديث عن عدة قضايا ، وهنا نستكمل الحديث في هذا السياق.
تاسعاً: دعم الأقليات المسلمة المضطهدة
إن المملكة العربية السعودية بقيادتها المتميّزة برشدها وحكمتها ورحمتها لكل مسلم على وجه الأرض! ، ، وبشعبها المتمسك بإيمانه وعقيدته ، والمقتدي بقيادته في حبِّ الخير وفعله ، لا تألوا جهداً في دعم الأقليات المسلمة في كل أصقاع الدنيا ونصرة قضاياها.
ولا شك أن كثيراً من الأقليات المسلمة في كثير من البلدان تعاني ظلماً وتهميشاً ، بل ربما حرباً واضطهاداً من قبل بعض الجهات والجماعات المعادية للدين الإسلامي ، والكارهة للإسلام وأهله!.
إن قضايا الأقليات المسلمة المضطهدة هي قضايا ذات بعد إسلامي وإنساني واضح ، فالمملكة لا تتأخر ولا تتوانى عن القيام بواجبها الديني والإنساني تجاه هذه القضايا.
وللتمثيل على مواقف المملكة الداعمة للأقليات المسلمة المضطهدة ، سأورد هنا لمحة عن موقف المملكة في دعم مسلمي البوسنة والهرسك عندما شنَّ الصرب والكروات حرب إبادة وتشريد عليهم استمرت من عام 1412إلى ما بعد منتصف 1416ه الموافق من 1 إبريل 1992 إلى 14ديسمبر 1995م ، وكانت مرحلة من أقسى التحديات التي واجهها مسلمو أوروبا في العصر الحديث ، فقد أسفرت تلك الحرب عن مجازر وحشية بحق المدنيين المسلمين ، فقد قُتل من المدنيين ما يزيد على 38 ألفاً ، وكان من أبرز المجازر بحق المدنيين : مجزرة سربرنيتسا عام 1416ه الموافق 1995م والتي راح ضحيتها آلاف الأبرياء ظلماً وعدواناً ، في وحشية لا نظير لها!.
كما قُتل من الجيش البوسني – الذي كان قليل الخبرة ، وضعيف العدّة والعتاد – ما يزيد على خمسين ألفاً.
لقد كان موقف المملكة تجاه مسلمي البوسنة والهرسك نموذجاً حياً للدبلوماسية الإنسانية والالتزام الأخلاقي ، فلم تكن مجرد داعم سياسي فحسب ، بل كانت الرئة التي تنفس من خلالها الشعب البوسني خلال أحلك الظروف في تلك الحرب الظالمة! ، حيث لم تقف المملكة موقف المتفرج ، أو عدم المبالي بما يحصل هناك ، بل تحركت على كافة الأصعدة : سياسياً ، ومادياًّ ، وشعبياًّ ؛ لتشكِّل بذلك حائط صد يواجه العدوان الصربي والكرواتي ، ويتصدى لحملات التطهير العرقي التي تعرض لها المسلمون على أرض البوسنة والهرسك.
لقد سجَّلت المملكة موقفاً تاريخياً راسخاً في دعم القضية البوسنية يتسم بالثبات والاستمرار ، فهو ليس دعماً عابراً أو مؤقتاً ، بل موقفاً نابعاً من إيمان القيادة السعودية والشعب السعودي بالدور القيادي للمملكة فيما يتعلق بقضايا العالم الإسلامي.
فمع اندلاع الحرب بادرت المملكة إلى تقديم مساعدات عاجلة وشاملة ، شملت الغذاء والدواء ، والمواد الأساسية والخدمات الصحية.
كما قادت المملكة حراكاً دولياً واسعاً للتعريف بالقضية البوسنية ومظلومية شعبها المسلم المسالم . فقد وظَّفت المملكة ثقلها الدولي في الأمم المتحدة ، وفي منظمة التعاون الإسلامي وفي كل المحافل الدولية للمطالبة بوقف العدوان الغاشم الظالم على مسلمي البوسنة والهرسك ، كما طالبت برفع حظر التسلح عن البوسنيين ؛ لتمكين أبناء البوسنة والهرسك من الدفاع عن أنفسهم.
كما بادرت المملكة إلى الاعتراف باستقلال البوسنة والهرسك ، وأقامت معها علاقات دبلوماسية كاملة دعماً لشرعيتها الناشئة.
ولم يتوقف سيل الخير المتدفق من أرض الحرمين إلى أشقائنا في البوسنة والهرسك ، فقد أصدر الملك فهد –رحمه الله تعالى –أمراً ملكياً بتاريخ 2 / 12 / 1412ه بتشكيل “الهيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك ” برئاسة الملك سلمان –حفظه الله تعالى –، وكان حينها أميراً لمنطقة الرياض ، وقد قامت الهيئة بتأمين أكثر من مئة ألف طن من مواد الإغاثة من طعام وكساء وأدوية وعلاج ، وحوالي 4300 طن من وقود التدفئة ، ونقلتها جوًا وبحرًا ، وأشرفت على توزيعها من خلال مكاتبها في أوروبا ، كما قامت بإنشاء مخيمات للمهجرين واللاجئين ، وتقديم الخدمات الاجتماعية والطبية لهم.
كما كفلت الهيئة أكثر من ثلاث مئة عائلة مسلمة ، وسبعة آلاف يتيم ، وغير ذلك من أعمال البر والخير والإحسان التي كانت المملكة قيادة وشعباً يقدمونها لأشقائهم وإخوانهم في البوسنة والهرسك حبّاً ورحمة وتعاطفاً معهم بمشاعر جيّاشة ، وإيمان صادق بواجب النصرة لهم ليثبتوا على دينهم ، ويدافعوا عن أنفسهم وحقوقهم.
ولم يتوقف الدعم السعودي بعد انتهاء الحرب ، بل استمر في مرحلة إعادة الإعمار وبناء الإنسان البوسني ، فقد شاركت الهيئة في برامج إعادة المهجَّرين إلى بلادهم ، وأشرفت على تنفيذ بعض برامج الإعمار في البوسنة والهرسك ، وإعادة بناء أو تأثيث المساجد المدمرة ، وإنشاء المعاهد الدينية ، ووضع الخطط والمناهج التعليمية لها ، وطباعة الكتب ، وتوزيع المصاحف ، وتقديم المنح الدراسية ، وتغطية أجور الأئمة والدعاة والمعلمين. والإشراف على برامج الإفطار الرمضانية ، وبرامج الحج لمسلمي البوسنة ، وإنشاء عدد من المستوصفات والمراكز الطبية ، من أبرزها مركز الغسيل الكلوي في العاصمة البوسنية سراييفو ، الذي أسهمت فيه الهيئة بحوالي مليون ريال سعودي.
وقد كان من أجمل ما حققته الهيئة لشعب البوسنة الشقيق هو مسجد ومركز الملك فهد الثقافي في سراييفو ، والذي يُعدُّ أحد أكبر المشروعات الحضارية في منطقة البلقان ، كما يُعد أكبر مسجد نفذته الهيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك .
ويضم المسجد مركزاً ثقافياً يشتمل على قاعة للمحاضرات تستوعب ما يزيد 300 شخص ، ومكتبة مركزية كبيرة مزودة بقاعات للاطلاع ، ووحدات للبحث ، وصالات استماع ونسخ للمواد العلمية والثقافية سواءً كانت سمعية أو بصرية ، كما يضم المركز مبنى الإدارة ، وسكناً للإمام والمؤذن ، وسكناً لمدير المركز ، وقاعة لممارسة الرياضة ، ووحدة للحاسب الآلي ، ومعملاً لتعليم اللغة العربية.
لقد أصبح مركز الملك فهد الثقافي في سراييفو منارة تعليمية لتعليم اللغة العربية ، والحاسب الآلي ، وأنواع العلوم والثقافة الإسلامية. وقد تمَّ البد ء ببنائه في أبريل 1998م وافتتح في عام 2000م ، من قبل الملك سلمان – حفظه الله تعالى – وكان حينها أميراً لمنطقة الرياض ، وبحضور الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش – رحمه الله تعالى – ، وعدد من المسؤولين في الحكومة البوسنية.
ومما يدل على عَظَمة وضخامة الجهد الذي قدَّمته المملكة للأشقاء في البوسنة أمام ما كانوا يعانونه من حرب إبادة وتشريد أن ” الهيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك ” المشكلة بأمر ملكي قد تمَّ تكريمها كأعظم جهة مانحة وداعمة لمسلمي البوسنة والهرسك في تلك الظروف العصيبة ، فقد اختيرت الهيئة في عام 1415هـ الموافق 1994م لتفوز بشهادة ( شخصية العام الإنسانية ) .
كما منحتها حكومة البوسنة والهرسك الوشاح الذهبي تكريماً لها ، وامتناناً من الحكومة والشعب البوسني للجهود التي بذلتها الهيئة في خدمة القضية البوسنية.
أما أعلى تكريم حصلت عليه الهيئة فهو حصولها على جائزة الملك فيصل العالمية في مجال خدمة الإسلام عام 1421ه الموافق 2001م. وقد تسلَّم الجائزة الملك سلمان – حفظه الله تعالى – بصفته رئيس الهيئة .
إن المملكة العربية السعودية تتعامل مع الأشقاء عرباً ومسلمين تعامل الأخ الشقيق ، والناصح الشفيق ، الذي يحب الخير لأخيه المسلم كما يحبه لنفسه ، فهي تبذل وتضحي ، وتبادر في مواقفها الداعمة لأشقائها ، وتتحمَّل الأعباء الكبيرة ، والمسؤوليات الجسيمة ، إيماناً منها بواجبها الديني والأخلاقي والإنساني ، وهي تحتسب كل ذلك قُربى وزلفى عند الله عز وجل ، فهو الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
وللحديث بقية في المقالات القادمة إن شاء الله تعالى
التميّز السعودي في مواجهة التحديات -8-
الخميس الموافق 24 شعبان 1447ه.
- رمضان المبارك… للعبادة أم لاستعراض الأطعمة؟
- هدوء الروح قبل الربيع
- تدشين كتاب «١٢٠ عامًا من الإبداع التشكيلي السعودي» بحضور خوجة والدحلان
- التبرير حين يُصادِر حرية الاختيار
- الهلال يفوز على الوحدة بثنائية ويعزز صدارته لدوري أبطال آسيا للنخبة




سعادة الدكتور علي حفظك الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد :
فقد قرأت مقالكم الكريم عن التميز السعودي في حمل راية الأمة ، فوجدته توثيقا مستحقا لمواقف مشرفة سطرها تاريخ المملكة قيادة وشعبا ، في نصرة القضايا الإسلامية والإنسانية .
لقد أحسنتم في تسليط الضوء على الدور السعودي في دعم مسلمي البوسنة والهرسك ، وهو موقف سيبقى شاهدا على أن المملكة لم تكن يوما متفرجة على معاناة إخوانها ، بل كانت ولا تزال سباقة في العطاء ، ثابتة في المواقف ، حكيمة في تحركاتها ، تجمع بين الدبلوماسية الرشيدة والعمل الإنساني الميداني .
إن ما قدمته المملكة في تلك المرحلة العصيبة يجسد عمق رسالتها القائمة على نصرة المظلوم ومد يد العون للمحتاج ، انطلاقا من ثوابتها الإسلامية ومسؤوليتها التاريخية ومكانتها العالمية ، وقد أثبتت قيادتنا الرشيدة أن العمل الإنساني ليس موسما عابرا بل نهجا مستداما يعكس قيم هذا الوطن المبارك .
ومما لا شك فيه أننا نفخر بمملكتنا الغالية التي جعلت من خدمة الإسلام والمسلمين شرفا ومسؤولية ومن الإغاثة والبذل عنوانا لحضورها الدولي ، حتى أصبحت نموذجا يحتذى في التوازن بين الحكمة السياسية والبعد الإنساني .
جزاكم الله خيرا على هذا الطرح الموثق وبارك في جهودكم ، وحفظ الله المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا ، وأدام عليها أمنها واستقرارها وريادتها.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. وحياك الله أخي العزيز الدكتور يحيى، وشكر الله لك ما سطَّرته من تعليق ضافي ، وعبارات راقية الأسلوب، وافية المعنى ، جميلة المبنى..
فلا فض فوك ، ولا عاش حاسدوك ، وزادك الله من فضله.
وتقبل شكري وتقديري وامتناني لشخصك الكريم.
لا يسع القارئ أمام هذا الطرح العميق إلا أن يتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور علي بن يحيى بن جابر الفيفي على هذا السرد الموثق والتحليل الرصين، الذي يجمع بين البعد التاريخي والرؤية الحضارية، ويُبرز صورة المملكة في إطارها الإسلامي والإنساني الواسع. أسلوبه المتزن، واستدعاؤه للأحداث بلغةٍ واعية، يجعلان المقال وثيقةً فكريةً تؤكد أن التميز السعودي ليس شعارًا، بل ممارسةً ممتدة عبر الزمن.
لقد أحسن الدكتور في إبراز جانبٍ مهم من الخصوصية السعودية، وهو حمل راية الأمة في القضايا ذات البعد الدولي والإنساني، مستشهدًا بموقف المملكة من حرب البوسنة والهرسك، تلك المأساة التي شكّلت إحدى أفظع صور التطهير العرقي في أوروبا الحديثة، ولا سيما مجزرة سربرنيتسا التي هزّت الضمير العالمي عام 1995م.
وجاء استعراض دور المملكة — سياسيًا وإغاثيًا وإنسانيًا — ليؤكد أن حضورها لم يكن موقفًا عابرًا، بل التزامًا مستمرًا، تجسّد في إنشاء “الهيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك”، وفي المشروعات النوعية التي بقي أثرها شاهدًا إلى اليوم، ومن أبرزها مسجد ومركز الملك فهد الثقافي في سراييفو، الذي أصبح منارةً تعليميةً وثقافيةً في منطقة البلقان.
كما أن توثيق حصول الهيئة على جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام يعكس حجم الجهد المبذول والاعتراف الدولي به، ويعزز الفكرة التي يدور حولها المقال: أن التميّز السعودي في مواجهة التحديات يقوم على ثوابت راسخة، ورؤية بعيدة، وشعورٍ عميق بالمسؤولية تجاه الأمة.
مقالٌ كهذا لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يرسّخ الوعي، ويُعيد قراءة التاريخ بلغة الاعتزاز المنضبط بالحجة والبرهان. فالشكر موصول للدكتور علي على هذا الجهد المبارك، وعلى هذه الإضاءات التي تُثري القارئ، وتُجدد في النفس معنى الانتماء والمسؤولية.