مقالات

الحنكة الإعلامية والتعامل مع الأحداث السياسية

بقلم : مقبل الغفيري . إعلامي
صحيفة بصمة اون لاين

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الروايات، لم يعد الإعلام مجرد منصة لنقل الخبر، بل أصبح ساحة لصناعة الوعي وتوجيه الإدراك.

وهنا، تظهر الحنكة الإعلامية كفارقٍ حقيقي بين إعلاميٍ يمرّ مرور الكرام، وآخر يترك أثرًا يصنع الفهم ويقود الرأي.

الحدث السياسي ليس خبرًا عابرًا، بل منظومة معقدة من المصالح والتوجهات والتأثيرات. لذلك، فإن التعامل معه يتطلب عقلًا يقرأ ما بين السطور، لا عينًا تكتفي بظاهر النص. الإعلامي المحترف لا يسأل فقط: “ماذا حدث؟”، بل يتجاوز ذلك إلى: “لماذا حدث؟ وإلى أين يتجه؟”.

الحنكة الإعلامية تبدأ من ضبط الإيقاع بين السرعة والدقة؛ فكم من خبرٍ عاجلٍ أربك المشهد لأنه افتقد التحقق، وكم من إعلاميٍ كسب ثقة الجمهور لأنه اختار التأني على حساب السبق. المصداقية هنا ليست خيارًا، بل هوية تُبنى مع كل كلمة تُقال.

وفي قلب الأحداث السياسية، تبرز مهارة إدارة المعنى. فالكلمة ليست مجرد أداة نقل، بل أداة تشكيل. اختيار المفردة، نبرة الطرح، زاوية التناول… كلها عناصر تصنع الفرق بين إعلامٍ يُنير الطريق، وآخر يُغرقه في الضباب. الإعلامي الواعي يدرك أن الحياد لا يعني الجمود، بل يعني الإنصاف، وأن المهنية لا تعني البرود، بل تعني الاتزان.

أما في أوقات الأزمات، فتُختبر الحنكة الحقيقية. حين ترتفع الأصوات، وتتشابك المواقف، يصبح الإعلامي أمام مسؤولية مضاعفة: أن يكون مصدر طمأنينة لا وقودًا للفوضى، وأن يقدّم المعلومة بوعيٍ يهدئ ولا يُهيّج، ويوضّح ولا يُضلّل.

وفي عصر الإعلام الرقمي، لم يعد الجمهور متلقيًا صامتًا، بل شريكًا فاعلًا في صناعة الحدث وتداوله. وهنا، تتطلب الحنكة قراءة دقيقة لتفاعل الجمهور، دون الانجراف خلف الانفعالات أو الانسياق وراء الضغوط. فالإعلامي القوي هو من يقود النقاش، لا من يُقاد به.

إن الحنكة الإعلامية ليست مهارة عابرة، بل مسؤولية مستمرة، تتطلب ثقافة واسعة، ووعيًا سياسيًا، وقدرةً على ضبط الذات قبل ضبط الرسالة. وهي في النهاية، انعكاسٌ لشخصية إعلاميٍ يعرف أن الكلمة أمانة، وأن التأثير مسؤولية، وأن الحقيقة تستحق أن تُقال… ولكن بحكمة.

وقفة الختام
حين يكون للإعلام وعي
يصبح للأحداث معنى.

الحنكة الإعلامية والتعامل مع الأحداث السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى