سادنُ الذاكرة التاريخية في فيفاء

قراءة في كتاب الباحث عيسى بن سليمان الفيفي
عن المؤرخ حسن بن جابر الحكمي الفيفي
عيسى سليمان الفيفي
صحيفة بصمة اون لاين
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة حتى تكاد الذاكرة أن تُسحق تحت عجلات الأيام، يبقى بعض الرجال أوفياء لما مضى، لا لأنهم أسرى الماضي، بل لأنهم يدركون أن الأمم التي تنسى جذورها تفقد ملامحها شيئًا فشيئًا.
ومن بين أولئك الذين حملوا مشعل الوفاء للتاريخ والتراث، يبرز اسم حسن بن جابر الحكمي الفيفي، الرجل الذي جعل من الحكاية وثيقة، ومن الذاكرة رسالة، ومن البحث في تفاصيل الناس والأمكنة لونًا من ألوان الوفاء للوطن والإنسان.
هذا الكتاب الذي ألَّفه عيسى بن سليمان الفيفي ليس سيرةً ذاتية تقليدية، بل رحلة إنسانية وثقافية طويلة، تسرد حكاية رجل عاش بين الكتب والناس، بين القرى والجبال، بين الوثائق والروايات الشفوية، فصار شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ فيفاء وتحولاتها الاجتماعية والثقافية.
لقد جاء الكتاب أقرب إلى مرآة واسعة تعكس ملامح الإنسان الجنوبي الأصيل، الذي يحمل في قلبه محبة الأرض، وفي عقله شغف المعرفة، وفي سلوكه روح البساطة والوفاء.
النشأة والبدايات
وُلد حسن بن جابر الحكمي الفيفي في مدينة نجران منتصف عام 1385هـ، في أسرةٍ عُرفت بالكرم والعلاقات الاجتماعية الواسعة.
وكان والده الشاعر الشعبي جابر بن قاسم الحكمي الفيفي من أهل الأدب والمحاورات الشعبية، ممن تشربوا اللغة بالفطرة، وتذوقوا الشعر والقصص والسير الشعبية، فانعكس ذلك مبكرًا على شخصية الابن الذي نما في بيتٍ يرى فيه الكتاب جزءًا من الحياة اليومية، لا ترفًا ثقافيًا عابرًا.
تنقلت الأسرة بحكم عمل والده العسكري بين مناطق المملكة؛ من نجران إلى خميس مشيط، ومن الطائف إلى تبوك، فعاش الطفل حسن في بيئات متعددة، واكتسب من هذا الترحال سعة أفق، وقدرة على فهم الناس، واختلاف طبائعهم ولهجاتهم وعاداتهم.
ولم يكن ذلك الترحال انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل كان مدرسة حياتية صنعت شخصيته، وربطته بمفهوم الوطن الكبير الممتد من الجنوب إلى الشمال.
شغف مبكر بالقراءة
ومنذ طفولته المبكرة ظهرت عليه ملامح النبوغ والشغف بالقراءة، فكان يندهش من الكتب قبل أن يعرف القراءة ذاتها، ويتأمل الصور والخرائط والرسوم، ويسأل عنها بإلحاح طفل يرى في الورق عالمًا سحريًا.
ويروي الكتاب طرائف كثيرة عن تلك المرحلة، منها أنه كان يقلد والده في الكتابة، فيكتب الكلمات على الجدران، وعلى الأرض، وحتى على دفايات القاز القديمة، وكأن الحروف كانت لعبته الأولى قبل أن تكون مشروع عمره الطويل.
لم تكن القراءة بالنسبة إليه هواية فقط، بل كانت نافذته الكبرى على العالم. ففي زمنٍ لم تكن فيه الشاشات قد اجتاحت البيوت، كانت المجالس العائلية والكتب والحكايات الشعبية تصنع وعي الأجيال.
ولهذا تشكلت شخصية حسن جابر الحكمي الفيفي في بيئةٍ تؤمن بقيمة الكلمة، وتحترم العلم، وتمنح القارئ مكانة خاصة. وقد ساعده والده وأقاربه على اقتناء الكتب، فقرأ مبكرًا السير الشعبية والروايات والقصص، ثم توسعت قراءاته شيئًا فشيئًا حتى صار الكتاب رفيق حياته الدائم.
التعليم وتكوين الشخصية
وحين التحق بالمدرسة ظهرت موهبته سريعًا، فكان متفوقًا في دراسته، حاضر الذكاء، سريع البديهة، حتى إنه استطاع بعد انقطاعٍ طويل عن الدراسة بسبب تنقل الأسرة أن يجتاز اختبارات القبول بتفوق لافت أثار إعجاب معلميه.
ولم يكن طالبًا متفوقًا فقط، بل كان حاضرًا في الأنشطة الثقافية والرياضية، مشاركًا في المسابقات، عاشقًا للتحدي، شديد الحماس للنجاح.
وفي تلك الأحياء الشعبية القديمة، وبين البيوت البسيطة المصنوعة من الصفيح في خميس مشيط، تشكلت ذاكرته الأولى؛ هناك لعب الكرة مع أصدقائه، وهناك عرف معنى الجيرة والناس والبساطة، وهناك أيضًا بدأت أحلامه تتجاوز حدود المكان الضيق نحو آفاق المعرفة الواسعة.
لقد خرج من تلك البيئة الشعبية حاملًا معها قيمها الإنسانية: التواضع، والوفاء، والتكافل، والاعتزاز بالجذور.
التاريخ بوصفه رسالة
ومع مرور السنوات، تحولت القراءة إلى مشروع حياة، وتحول الشغف بالتاريخ إلى رسالة، فبدأ حسن جابر الحكمي يجمع الروايات الشفوية، ويوثق الأنساب، ويبحث في تاريخ فيفاء وقبائلها، متنقلًا بين الناس، مستمعًا لكبار السن، جامعًا الصور والوثائق، مؤمنًا بأن ذاكرة المجتمعات الشعبية كنزٌ إذا ضاع فلن يعود.
ولعل أجمل ما في هذه الشخصية أنها جمعت بين التواضع والمعرفة؛ فمع كل ما امتلكه من علم وخبرة، بقي قريبًا من الناس، سهل المعشر، رحب الصدر، محبًا للمساعدة والإصلاح بين الآخرين.
كان يرى أن الإنسان لا يقاس بما يجمعه من شهرة أو مال، بل بما يتركه من أثر طيب في قلوب الناس، ولهذا لم يكن مجرد باحث في التاريخ، بل صاحب حضور اجتماعي وإنساني لافت.
فلسفة إنسانية متزنة
ويكشف الكتاب عن فلسفة حياتية عميقة لدى حسن جابر الحكمي، تقوم على الإنصاف وعدم التسرع في الحكم على الناس.
فقد كان يردد دائمًا أن الاستماع لطرف واحد ظلم، وأن الحقيقة لا تكتمل إلا بسماع الجميع، كما كان يرى أن القرارات التي تُتخذ في لحظة غضب كثيرًا ما تتحول إلى ندم، ولذلك دعا دومًا إلى التروي وضبط المشاعر قبل إصدار الأحكام.
هذه الحكمة لم تأتِ من فراغ، بل من تجربة حياة طويلة عاشها بين الناس، واختبر خلالها تقلبات الزمن، فعرف أن الإنسان يكبر كلما اتسعت رحمته بالآخرين.
ولهذا بدت شخصيته في الكتاب متوازنة؛ عاشقة للعلم لكنها غير متعالية، واثقة لكنها بعيدة عن الغرور، قوية في رأيها لكنها متسامحة مع المختلفين.
توثيق تحولات المجتمع
ومن خلال هذا السفر الطويل، لا يكتفي المؤلف بسرد سيرة رجل، بل يقدم صورة لتحولات المجتمع السعودي في الجنوب؛ منذ زمن البساطة الأولى، مرورًا بمرحلة التعليم المبكر، ثم التحولات الثقافية والإعلامية والاجتماعية التي عاشتها المملكة خلال العقود الماضية.
فالكتاب يرصد تغير البيوت والأحياء، وتبدل العادات، وتحول المجالس الشعبية، ودخول التلفاز والتقنيات الحديثة، وتأثير ذلك كله على العلاقات الاجتماعية والثقافة العامة.
كما يسلط الضوء على أهمية الحفاظ على الهوية المحلية والتراث الشعبي، في زمنٍ تتشابه فيه المدن، وتتآكل فيه التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح المجتمعات فرادتها الخاصة.
ولهذا يبدو حسن جابر الحكمي في هذا الكتاب حارسًا للذاكرة الشعبية، يدرك أن الحكايات القديمة لم تكن يومًا مجرد تسلية، بل سجلًا حضاريًا وثقافيًا يعبر عن روح المكان والإنسان.
«جارة القمر» وحضور ثقافي لافت
لقد أسهم حسن جابر الحكمي في إثراء المكتبة السعودية بعدد من المؤلفات المهمة، وكان من أبرزها كتاب جارة القمر، الذي حظي بحضور ثقافي واسع، لما امتاز به من لغة أدبية، ورؤية تاريخية، وقدرة على المزج بين التوثيق والسرد الممتع.
وقد استطاع من خلال أعماله أن يقدم فيفاء بوصفها فضاءً ثقافيًا وإنسانيًا غنيًا، لا مجرد بقعة جغرافية معزولة في الجبال.
وإذا كان بعض الباحثين يكتبون التاريخ بعقولهم فقط، فإن حسن جابر الحكمي كتبه بقلبه أيضًا؛ إذ كان يشعر أن كل شخصية يكتب عنها جزء من ذاكرته الشخصية، وأن كل قرية أو جبل أو حكاية هي جزء من هويته العميقة.
ولهذا جاءت كتاباته دافئة، نابضة بالحياة، مليئة بالتفاصيل الإنسانية التي تجعل القارئ يشعر أنه يعيش الأحداث، لا يقرأها فقط.
خاتمة
إن هذا الكتاب، في جوهره، رسالة وفاء لرجل خدم تاريخ منطقته بإخلاص، ووفاء لجيلٍ من الباحثين الشعبيين الذين حفظوا كثيرًا من تفاصيل المجتمع قبل أن تبتلعها الحداثة السريعة.
وهو أيضًا تذكير بأهمية الكلمة المكتوبة، وبأن التوثيق ليس عملًا هامشيًا، بل ضرورة حضارية تحفظ ذاكرة الأوطان للأجيال القادمة.
وحين يطوي القارئ صفحات هذا العمل، يشعر أنه لم يقرأ سيرة فرد واحد، بل قرأ سيرة جيل كامل عاش التحولات الكبرى للمجتمع السعودي، وانتقل من زمن البساطة إلى زمن التقنية، لكنه ظل محتفظًا بقيمه الأصيلة، وإيمانه العميق بالعلم، ووفائه للأرض والإنسان.
وهكذا يبقى حسن بن جابر الحكمي الفيفي واحدًا من أولئك الرجال الذين لا يكتفون بعيش حياتهم، بل يهبون جزءًا كبيرًا منها لحماية ذاكرة الآخرين.
رجالٌ أدركوا أن الأمم لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالحكايات أيضًا، وأن التاريخ حين يُكتب بإخلاص، يتحول إلى جسرٍ تعبر عليه الأجيال نحو مستقبل أكثر وعيًا بجذورها وهويتها.
30 / 11 / 1447هـ

- جيولوجيا المعنى”.. حين يتحول الشعر إلى رحلةِ حفرٍ في أعماق الروح
- أيتام جازان يشاركون في توديع ضيوف الرحمن ضمن مبادرة “على خطى النسك”
- جمعية دعم التعليم “تعلُّم” تقيم لقاء رجال اعمال المنطقة الشرقية
- جمعية محمد بن ناصر للإسكان التنموي تشارك في مبادرة “على خُطى النُّسك” لتوديع ضيوف الرحمن بجازان
- جمعية إحسان لحفظ النعمة بجازان تشارك في توديع ضيوف الرحمن ضمن مبادرة “على خُطى النُّسك”




نصٌّ يفيض بالوفاء للذاكرة والمكان، ويمنح فيفاء حضورًا يتجاوز الجغرافيا إلى معنى الهوية والانتماء.
ففكرة “سادن الذاكرة” جميلة وعميقة؛ إذ تجعل من الإنسان حارسًا للتاريخ، لا يكتفي بسرد الحكايات بل يصون روح المكان من النسيان. كما أن الربط بين التراث الشفهي، والمعالم القديمة، وتجارب الأهالي منح المقال دفئًا إنسانيًا واضحًا.
اللغة جاءت مشبعة بالحنين والاعتزاز، وفيها حسٌّ توثيقي يلفت الانتباه إلى أهمية حفظ الإرث المحلي للأجيال القادمة، خصوصًا في مناطق ثرية حضاريًا مثل فيفاء.
ومن أجمل ما يوحي به النص أن التاريخ الحقيقي لا تحفظه الكتب وحدها، بل تحفظه القلوب التي تؤمن بقيمة المكان وأهله.
ابداع الله يوفقهم جميعا سيره عطره ومفيده
أبدعت أيها الكاتب المميز في حديثك الراقي عن الأستاذ حسن جابر، فقد سطّرت كلمات تنبض بالوفاء والصدق، وأظهرت جانبًا مشرّفًا من تاريخ فيفاء العريق بأسلوب مؤثر وجميل.
لقد كان طرحك ثريًا بالمعلومات، وعميقًا في المعنى، ومليئًا بالمحبة والانتماء لهذه الأرض وأهلها، فاستحق الإشادة والتقدير.
كل الشكر لك على هذا الإبداع الذي يحفظ التاريخ، ويُعرّف الأجيال بقاماتٍ كان لها أثر وبصمة في توثيق إرث فيفاء المجيد مثل استاذنا الاخ حسن جابر . وفي الختام، كل الشكر والتقدير والاحترام للكاتب والباحث الاخ عيسى على هذا الطرح الجميل والأسلوب الراقي الذي يعكس ثقافة الكاتب ووفاءه لأهل التاريخ وأصحاب الأثر.
دام قلمك مبدعًا، ودام عطاؤك حاضرًا في توثيق المواقف الجميلة وتاريخ الرجال الأوفياء. 🌹