الطائف… حين يتحوّل المكان إلى ذاكرة

بقلم : حسن مفرح الغزواني
صحيفة بصمة اون لاين
ليست كل المدن تُزار؛ بعضُها يُستعاد… وبعضها، كـ الطائف، يُقيم في القلب طويلًا. حتى إذا عدتَ إليه، لم تشعر أنك وصلت، بل كأنك لم تغادر أصلًا.
قبل خمسةٍ وخمسين عامًا، كانت بداياتي العملية هنا، في زمنٍ كانت فيه الخطوة الأولى تُصاغ بالشغف لا بالحسابات. واليوم، حين عدتُ أستنشق هواء الطائف، لم يكن النسيم وحده ما أعاد إليّ تلك الأيام، بل تلك القدرة العجيبة التي يملكها المكان حين يختزن فينا ما لا يبهت. بين وادي وج والشفا والهدا، أدركت أن الذاكرة ليست زمنًا مضى، بل شعورًا يُستعاد.
ظننتها زيارة عابرة لا تتجاوز الساعتين، فإذا بها تمتدّ أثرًا وامتنانًا. بصحبة الأخوين الكريمين عبدالمحسن الحارثي (أبو بدر)، وأخيه سلطان الحارثي (أبو عبدالرحمن)، لم تكن الضيافة مجرد استقبال، بل كانت معنى يُترجم؛ في الكلمة، وفي الفعل، وفي تفاصيل لا تُصطنع.
وفي وادي محرم، حيث يتنفس الورد الطائفي عطره في الهواء، اكتشفت أن الجمال ليس فيما نراه فقط، بل فيما نلقاه. هناك، لا يُقدَّم الورد للزائر بقدر ما يُقدَّم الإنسان بصفائه؛ وقد أحسن أهل الركيب الاستقبال، فكانوا امتدادًا لمعنى الكرم الذي لا يحتاج إلى تعريف.
ولعلّ أصدق ما يُقال هنا، ما يُنسب إلى حاتم الطائي:
“وأُكرمُ ضيفي ما أقامَ ببلدتي…
وأحفظُهُ حيًّا وإن غابَ أو بَعُد”؛
إذ وجدت في هذه الرحلة أن الكرم لا يُقاس بما يُقدَّم، بل بما يُترك في النفس من أثر.
لقد مثّل الأخوان عبدالمحسن وسلطان نموذجًا حيًّا لما تعنيه الأصالة؛ كرمٌ لا يتكلّف، ووفاءٌ لا يُطلب، وبيوتٌ تُفتح قبل الأبواب فيها القلوب. وهنا يتجلّى المعنى الذي قاله أحمد شوقي:
“وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت…
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا”؛
فالأخلاق ليست زينة المجالس، بل جوهرها.
ولأن الشكر، مهما بالغ، يبقى قاصرًا أمام جميلٍ صادق، فإنني أكتفي بالاعتراف أن بعض المعروف لا يُردّ، بل يُحفظ في الذاكرة دينًا من الوفاء.
الطائف، في نهاية المطاف، ليست مجرد مصيف… إنها تجربة إنسانية تُعيد ترتيب علاقتك بالمكان وبالناس.
هي درسٌ صامت يقول:
إن المدن تُقاس بقلوب أهلها، لا باتساع طرقها.
- وفاة ناجعة الفيفي بمنطقة تبوك
- انطلاق “الجامعية لألعاب القوى” بالطائف.. ونجوم اليوم الأول يلمعون
- الكلمة أمانة
- انطلاق بطولة الجامعات لألعاب القوى بالطائف
- الطائف… حين يتحوّل المكان إلى ذاكرة



