مقالات

بلدة القصب .. مدينة الذهب الأبيض

كتبه لصحيفة بصمة أون لاين
أ –عبد الله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال


معظم الناس وانا واحد منهم لم أكن أتصور أن الملح يوجد إلا قرب البحر، وبالذات لما كنت اشاهده في صغري في مدينة جيزان الساحلية، حيث كان يستخرج هناك من مواقع خاصة في نفس المدينة، عن طريق الحفر العميقة، وتكسير المتراكم منه واستخراجه، ويسمى هذا الموقع بـ (المضريبة)، ثم تردم هذه الحفر، ويحفر مثلها في مكان أخر، ويعودون إليها بعد فترة وقد نمى فيها الملح من جديد، فهو مادة تتفاعل وتتجدد مرة بعد أخرى، ويتشكل هذا الملح هنا على شكل صخور، تحت هذه الأرض السبخة، لذلك لم أكن أتصور أن الملح قد يوجد في مناطق أخرى بعيدة عن البحر، إلى أن شاهدت ذلك عيانا في بلدة القصب، التابعة لمحافظة شقراء من منطقة الرياض، التي تبعد عن مدينة الرياض بما يقارب مائة وخمسين كم تقريبا، وتحيط بها جبال طويق من الشمال، ونفوذ الرغام من الغرب والجنوب.

بلدة القصب .. مدينة الذهب الأبيض

بلدة القصب اسم موغل في القدم، زرتها مرتين كانت اخراها في يوم الجمعة الموافق 14/11/1447هـ، بدعوة كريمة من سعادة المهندس محمد بن عبد العزيز الجريان حفظه الله، من اعيان هذه البلدة الجميلة المتطورة، أكرمنا أيما اكرام، وصحبنا في جولة تعريفية لهذه البلدة، ورغم صغر حجمها إلا إنها كانت مدينة متميزة، ونموذجية في العديد من الجوانب، مدينة جميلة حسنة التخطيط والتنظيم، تشاهد ذلك من خلال شوارعها الواسعة والمنظمة، إضافة إلى أنها مدينة صناعية نشطة، تقوم في انشطتها الأساسية على صناعة الملح، من استخراجه وجمعه وتنقيته وتصديره، وعلى هذا الأساس اكتسبت شهرتها ومكانتها، وأصبحت مزارا سياحيا جاذبا، يتوافد عليها الزوار بكل لهفة وشوق، للاطلاع والتعرف في المقام الأول على كيفية استخراج وتصنيع الملح، ولذلك هيئت لتعطي الزائر ما ينشده في هذا الجانب الحيوي، وأقيمت بجوار بعض هذه الممالح أماكن مفتوحة للاطلاع والترفيه، ويعرض لهم فيها العديد من المعلومات عن هذه الصناعة، وبعض الصناعات الرديفة القائمة عليها.

بلدة القصب .. مدينة الذهب الأبيض

إضافة إلى ما يشاهده الزائر داخل البلدة، من المعالم التاريخية والثقافية الجاذبة، ومن اهمها زيارة البلدة القديمة التراثية، بعد إعادة ترميمها وصيانة موجوداتها، فقد اعيد بناء البيوت الطينية القديمة فيها، واعيد لها رونقها والمتساقط من اسوارها وقلاعها، وطرقها والشوارع والبوابات القديمة فيها، وعمرت فيها الأسواق القديمة والمساجد والجوامع، لتتحول بكل كفاءة إلى مزار تاريخي نادر، فقامت غالب الاسر التي كانت تقيم فيها، إلى اعادة ترميم ما يخصهم من البيوت والمحلات، واحيائها على النمط القديم الذي كانت عليه، بل أن بعض منهم اعادوا تأثيثها وفرشها بما كانت عليه سابقا، وجعلوا منها متاحف تحاكي الماضي العريق بكل تفاصيله، وقد سعدنا بالجولة في داخلها، وزرنا بعض النماذج من هذه البيوت المفتوحة، وكان أولها بيت فضيلة الشيخ القاضي عبدالله بن عبدالوهاب بن زاحم رحمه الله (1300 ـ1374هـ )، وكان من كبار العلماء ومن رجالات الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله، وهناك موظفين قائمين على الاستقبال والتعريف في هذا البيت، ويحوي العديد من المجالس واللوحات والصور القيمة.

بلدة القصب .. مدينة الذهب الأبيض

ثم زرنا بعده دار اسرة آل الجريان.

بلدة القصب .. مدينة الذهب الأبيض

وكان هذان البيتان نموذجين لبقية بيوت البلدة، بما هما عليه وبما يحويانه من المدخرات العظيمة، مما يعطي للزائر صورة حقيقية وواقعية عما كنت عليه هذه البلدة العتيقة.

وبما أن بلدة القصب قد اقترن اسمها منذ القدم بمادة (الملح)، فلا تكاد تذكر القصب إلا ويذكر الملح، ولا يذكر الملح إلا وتذكر القصب، لارتباطهما الشديد من قرون طويلة، وبما أن الملح مادة ضرورية في حياة الناس، لأنه عنصر أساسي في طعامهم، بالإضافة إلى استخداماته المتعددة، في المجالات الطبية والصناعية وغيرها، ولوجود هذه البلدة وسط الجزيرة العربية، وليس لها منافس في تصدير هذه المادة الضرورية في هذا المحيط، فكان لها تميزا واضحا وفريدا، وكوّن للبلدة واهلها عاملا اقتصاديا مهما، ومع الوقت وتراكم الخبرات اصبح استخراجه وتصنيعه مصدرا قويا في حياتهم، وله ارتباط وثيق وحيوي بحياتهم، على مدى تعاقب العصور، والأجيال التي عاشت في هذه البلدة العتيقة.

كانت المملحة من ضمن جولاتنا المهمة، فهي من المعالم السياحية المهمة في القصب، وتقع في الجهة الجنوبية الشرقية من البلدة، ولا تبعد عن مركز المدينة إلا بحوالي ثلاثة أو أربعة كم، وهي عبارة عن ارض منخفضة قليلا، وتمتاز بتربتها السبخة، بسبب وجود الملح الممتزج بهذه التربة، وهي منطقة مفتوحة لكل الزوار، بل إن بعض الملاك هيأوا ممالح خاصة للزوار، ليطلعوا على تكوينات هذه الممالح، وليتعرفوا على كيفية استخراج هذه المادة، ويشاهدوا طريقة استخراجه، ومراحل جمعه وتعبئته، إلى أن يصبح جاهزا للتسويق، كما هيأوا احواضا للاستشفاء بالمياه المالحة.

واثناء هذه الجولة اطلعنا بوضوح على كل هذه المعلومات، وعلى اسرار استخراج هذه المادة المهمة، وعلى معلومات أخرى متعددة، ومنها الصناعات الرديفة المتولدة عنها، من العديد من المنتجات الصحية والصناعية وغيرها، فالزائر من خلال هذه الجولة القصيرة، يخرج بالعديد من الفوائد والمعلومات الجديدة، ولا شك أن نظرته تتغير بشكل إيجابي عن صناعة هذه المادة الضرورية، ويكتشف على الطبيعة الجهد الكبير الذي يبذل في هذا المجال، والعمل الشاق الذي يكتنف مراحل صناعتها، فهذا المكان يعطيك تصورا كاملا عن كثير مما تجهله عن هذه الصناعة الحيوية.

زرنا هذه الممالح، واخذنا من خلال هذه الزيارة فكرة كاملة، عن كيفية استخراج وصناعة الملح، وشاهدنا ذلك معاينة، واطلعنا على المراحل التي يمر بها هذا المنتج، إضافة إلى ما كنا نسمعه من مضيفنا من الشرح الوافي، وكانت زيارة شملت كامل محتويات هذه المملحة، وتعرفنا على الطريقة المتوارثة التي يمر بها هذا المنتج، لنخرج في نهايتها بانطباع جميل لا ينسى، وبفوائد متعددة جديدة لم نكن نعرفها من قبل، وسأحاول هنا باختصار بسط شيء منها فيما يلي:

أولا : الموقع الذي توجد به هذه الممالح يعرف بالسبخة، وتعريف السبخة، أنها الأرض المستوية المنخفضة، التي تتسم بارتفاع نسبة الملوحة فيها، نتيجة تبخر المياه السطحية مع حرارة الشمس، تاركة على الأرض رواسب ملحية واضحة، مما يجعل تربتها غير صالحة للزراعة، وتسوخ في تربتها الاقدام، وهذا ما هو مشاهد بوضوح قرب شواطئ البحار، وهو موجود بالفعل في هذه المكان من بلدة القصب، وهي بالطبع الأماكن التي يستخرج منها مادة الملح، وتطور لديهم طرق استخراجه على مدى السنين، بل زادت واتسعت في هذا العصر الزاهر، لتوفر العلم والتطور والإمكانيات المساعدة الحديثة، التي اعانت على التوسع في طرق استخراجه، وسهلت لهم العديد من الأمور في هذا المجال، مما جعلهم يطورون اساليبهم، ويتوسعون بشكل كبير في إنتاجه.

ثانيا: مراحل استخراج الملح باختصار، يتم على النحو التالي:
1ـ يقومون بعمل حفرة أو عدة حفر عميقة، يبلغ متوسط عمقها ما بين مترين إلى ثلاثة أمتار تقريبا، ويختلف طولها حسب رغبة صاحبها، ومساحة ارضه، وقدراته المادية والفنية، وتسمى هذه الحفر أو (الأحواض) بـ (جفر الملح)، ويقوم صاحب المملحة الكبيرة المطورة، بإعداد الأرض والمكان جوار هذه الجفرة، حيث يحفر (بئرا) تسمى (عين الجفر)، يجهزها بمكائن ضخ كهربائية، تدفع الماء منها إلى ما يسمى بالخزان الطيني بجوارها، ليكون هو المصدر الوسيط الأساسي، لتزويد هذه الاحواض (الجفر) بالماء المالح، وبالكميات المناسبة المطلوبة.

بعد تعبئة هذه الاحواض (الجفر) بالقدر المناسب من هذه المياه المالحة، يترك إلى أن يتبخر نهائيا بصورة طبيعية، بسبب تعرضه لحرارة الشمس، فإذا ما جف خلف ورائه طبقات متعددة من الملح، تترسب في قاع وجنبات هذه الاحواض، ويتكون فيها على شكل قشرة سميكة صلبة.

3ـ يتم حينها عملية قشر وقشط هذه الترسبات، وفرزه وجمعه من كامل الحوض، وبعدها يتم غسله بماء مالح، حتى تزول عنه الشوائب والاتربة، ويزداد نقاء وصفاء.

4ـ يتم استخراجه من الاحواض، وتجميعه على شكل اكوام هرمية، ليبقى على هذه الكيفية إلى أن يجف تماما.

بعد جفافه تأتي عملية التعبئة، ويكون ذلك في أكياس بلاستيكية صغيرة، وتتم هذه العملية في الغالب يدويا، وهذه الأكياس هي التي يتم توزيعها على المحلات التجارية لاستخدامها في الطعام، اما الملح المخصص للمصانع للاستخدامات المختلفة، فيتم تعبئته في أكياس كبيرة جدا تنقله الشاحنات إلى المصانع.

بلدة القصب .. مدينة الذهب الأبيض

يتلوها عملية التوزيع والتسويق على المستهلكين، داخل وخارج المملكة.

هذا مختصر مما فهمته من خلال هذه الزيارة القصيرة، بل إنه يشاهد بوضوح كيف أنهم قد طوروا عمليات استخراج وصناعة هذا الملح في السنوات الأخيرة، بسبب ادخالهم التقنيات والعديد من الآلات الحديثة، إضافة إلى تطور وسهولة وسائل النقل وتيسرها، مما جعل الإنتاج يتضاعف ويزداد بشكل كبير، والجودة أصبحت عالية وأفضل، ولا شك أن التطور القادم سيكون بمشيئة الله أكثر وأكبر، مع ارتفاع الوعي والخبرات والتنافس، ووجود الاشراف المباشر والمنظم للجهات الرسمية المتخصصة في الميدان.

وبالطبع يوجد في القصب العديد من الأماكن الجديرة بالزيارة لولا ضيق الوقت، فقد علمت بوجود مواقع سياحية جاذبة، من أهمها روضة العكرشية، التي تتحول إلى بحيرة كبيرة اثناء مواسم الامطار، إضافة إلى المنتجعات الجبلية والرملية وغيرها، نتشوق إلى زيارتها مستقبلا بمشيئة الله.

ونسأل الله أن يديم علينا ما نحن فيه من أمن وأمان، وأن يحفظ لنا ولاة امرنا ويديم عزهم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


محبكم/ عبد الله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال
الرياض في 1447/12/17هـ

‫2 تعليقات

  1. أخي الكريم المؤرخ المبدع أبو جمال..

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أمتعتنا وأفدتنا بهذا المقال الثري الذي أخذتنا من خلاله في رحلة معرفية ماتعة إلى بلدة القصب، فكنت خير دليلٍ ومؤرخٍ وناقلٍ للمعلومة. لقد استطعت بأسلوبك السلس وقلمك المتمكن أن تجعل القارئ يعيش تفاصيل المكان، ويتعرف على تاريخه واقتصاده وتراثه، وكأنه يرافقك في هذه الجولة خطوة بخطوة.
    ما أجمل أن يكتب الإنسان عن وطنه وأرضه بعين المحب، وما أجمل أن يقترن ذلك بالدقة في المعلومة وحسن العرض وسعة الاطلاع، وهي صفات اجتمعت في مقالك هذا. فقد سلطت الضوء على جانب مهم يجهله كثير من الناس، وهو قصة الملح في بلدة القصب، وكيف أصبحت هذه البلدة عنواناً لهذه الصناعة العريقة ومركزاً اقتصادياً وسياحياً بارزاً في قلب الجزيرة العربية.
    لقد لمست في مقالك حرص الباحث الأمين الذي لا يكتفي بالمشاهدة العابرة، بل يتتبع التفاصيل ويحللها ويقدمها للقارئ بصورة واضحة وممتعة. كما أبرزت لنا جهود أبناء القصب في المحافظة على تراثهم العمراني والثقافي، وإعادة الحياة إلى البلدة القديمة لتبقى شاهداً على تاريخ الأجداد وعراقة المكان.
    ولعل من أجمل ما يميز كتاباتك أنك لا تنقل المعلومة مجردة، بل تمنحها روحاً وحياة، فتجمع بين الفائدة والمتعة، وبين التوثيق والسرد الأدبي، مما يجعل القارئ يخرج بحصيلة معرفية قيمة وانطباع جميل عن المكان الذي تكتب عنه.
    إن ما تقدمه من مقالات ورحلات توثيقية ليس مجرد كتابة عابرة، بل هو عمل ثقافي وتاريخي يسهم في حفظ الموروث الوطني، ويعرّف الأجيال بما تزخر به بلادنا من كنوز حضارية واقتصادية وسياحية، ويستحق كل التقدير والثناء.
    فلك مني خالص الشكر وعاطر الثناء على هذا الجهد المبارك، وعلى ما تبذله من وقت وعلم وخبرة في سبيل توثيق تاريخ الأماكن ورجالاتها ومعالمها. أسأل الله أن يبارك في علمك وقلمك، وأن يمدك بالصحة والعافية، وأن يواصل عطاؤك المعرفي والثقافي الذي أصبح محل تقدير واهتمام كل من يقرأ لك ويتابع ما تكتب.

    دمت أبا جمال مؤرخاً مبدعاً، وباحثاً متميزاً، وقلماً وطنياً صادقاً يثري المكتبة التاريخية والتراثية بما ينفع الناس ويبقى أثره للأجيال القادمة.

    تقبل تحيات اخوك / يحيى حسن المقرعي ابو وليد

  2. بارك الله في الكاتب والأديب الشيخ – عبدالله بن علي آل طارش الفيفي — على ما يسعدنا به من كتابات نيرة وزيارة منتقاة لمواقع أثرية، يوثقها بالصور والشرح والتفصيل الموضح للمكان، وما يحمل من إرث وذكريات تأريخية..

    مقال ثري وممتع أعاد إحياء جانب مهم من تاريخ بلدة القصب، تلك البلدة التي استحقت بجدارة لقب “مدينة الذهب الأبيض”. أحسن الكاتب في ربط الماضي بالحاضر، وإبراز ما تمتلكه القصب من إرث اقتصادي وحضاري عريق ارتبط بصناعة الملح التي اشتهرت بها لأكثر من ثلاثة قرون. مقال جميل في طرحه، سلس في أسلوبه، ويستحق الشكر على هذا التوثيق الذي يحفظ ذاكرة المكان ويعرّف الأجيال بقيمة هذه البلدة العريقة..

    وقد اشتهرت بلدة القصب بإنتاج الملح الملقب بـ«الذهب الأبيض»، ولها تاريخ تجاري عريق يمتد لقرون طويلة..

    وفقك الله شيخنا الفاضل على جهودك المقدرة من الكل، زادك الله من فضله وحفظك وكتب أجرك فيما تقوم به من حفظ الإرث التأريخي للأجيال..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى