مقالات

بين الاسم والهوية: أقنعة الانتماء الزائف

كتبه :محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

تتزايد في السنوات الأخيرة ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل؛ إذ يظهر بعض الأشخاص بميولٍ واضحة إلى التنصّل من أصولهم، أو تعديل أسمائهم العائلية، أو الادّعاء بالانتماء إلى بيئات لم يولدوا فيها. وتبدو هذه الممارسات – للوهلة الأولى – مجرد بحث عن مكانة اجتماعية أعلى، لكنها في حقيقتها تكشف اضطرابًا أعمق في علاقة الإنسان بجذوره.

فالانتماء ليس صفةً هامشية في حياة الإنسان، بل هو نقطة البداية التي تتشكّل منها رؤيته للعالم. ومن يحاول إخفاء أصله أو تبديل لقبه لا يعبّر عن رغبة في التقدّم بقدر ما يكشف عن هشاشة داخلية تسعى إلى تعويض نقصٍ ما بالانتساب إلى صورة اجتماعية مصطنعة. ومهما تجمّل هذا السلوك بعبارات «الارتقاء» أو «التطوير»، يبقى في جوهره اعترافًا خفيًا بأن الإنسان لا يجد في ذاته ما يكفيه لتأكيد قيمته.

والمفارقة أن هذه الفئة كثيرًا ما تحاول ضبط لغتها ولهجتها وتصرّفاتها لتناسب الصورة الجديدة التي صنعتها لنفسها، لكن اللغة – كما يعرف كل باحث في السلوك البشري – هي آخر ما يتغيّر. فاللسان يفلت عند الانفعال، وتنبثق منه الحقيقة التي يحاول صاحبها طمسها. ولهذا تصبح محاولات إخفاء السمات اللغوية أو الثقافية ضربًا من العبث، لأنها تواجه ذاكرة متجذّرة في الوجدان، لا في الوثائق الرسمية.

ويتجاوز الأمر حدود الاسم واللغة حين يتبنّى بعض الناس موقفًا سلبيًا تجاه مسقط رأسه أو بيئته الأولى، فينتقص منها أمام الآخرين، ويصفها بالمشقة أو التخلف أو قلة الحظ في مظاهر الحياة الحديثة. غير أنّ هذا النقد في كثير من الأحيان لا يعكس حقيقة المكان، بل يعكس صراعًا نفسيًا لدى صاحبه. فالإنسان الذي لم يتصالح مع بداياته يبحث عمّا يحمّله مسؤولية شعوره بالنقص، فيجد في المكان ضالته، فيحمّله ما لا يحتمل.

ومهما حاول البعض تقديم مبررات عقلية أو اجتماعية لمثل هذا السلوك، تظل المشكلة أبعد من دائرة النقاش. فهؤلاء لا يفتقرون إلى الحجج، بل يفتقرون إلى الطمأنينة. ومن كانت أزمته في ذاته، لا تنفعه النصيحة ولا يقنعه البرهان، لأن الحقيقة بالنسبة إليه ليست مسألة فهم، بل مسألة تهديد لصورة بناها على عجل.

ولذلك تتكرر خيبة الحوار معهم؛ فالحجة لا تغيّر من لا يبحث عن الحقيقة، والنقاش لا يجدي مع من يعتبر الاعتراف بأصله إنقاصًا من قيمته. إنّ من يعيش على وهم المكانة لا يريد أن يكتشف أنه أقام قيمته على أرض رخوة، ولهذا يقاوم كل صوت قد يوقظه من هذا الوهم.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة ثابتة: الإنسان لا يرتفع بالهرب من جذوره، بل بما يقدمه من عملٍ يشرّف تلك الجذور. الأصل ليس قيدًا، بل بداية. والهوية ليست عبئًا، بل قاعدة ينطلق منها المرء إلى أوسع آفاقه. ومن ينكر بداياته لا يصنع مستقبلًا مختلفًا، بل يعيش مستقبلًا مشوشًا، تلاحقه فيه الأسئلة التي تهرّب منها.

إنّ المجتمعات التي تدرك قيمة الانتماء لا تُقاس بمظاهر الحداثة وحدها، بل بما تحمله من تقدير للتاريخ الشخصي لكل فرد. والأوطان لا تنقص قيمتها إن تنكّر لها بعض أبنائها؛ فهي ثابتة في مكانها، بينما يبقى الهاربون منها يبحثون – بلا جدوى – عن أرض تمنحهم انتماءً جديدًا.

كتبه :محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى