
بقلم د : حاتم منصور
صحيفة بصمة اون لاين
ثمة صمت غريب بات يتسلل إلى أروقة البيوت ، صمتٌ لا يعود لندرة الساكنين فيها ، بل غياب (أغنيات الصغار) التي طالما كانت النبض الحقيقي وثروة هذه الأرض .
إن الناظر اليوم في دفاتر الأيام بالمملكة ، يلمح بوضوح خطاً بيانياً يميل نحو الانخفاض في نسب المواليد ، توازيه رغبة متزايدة لدى الجيل الجديد في إرجاء فكرة الزواج ، أو العزوف عنها تماماً .
هذا التحول الديموغرافي ليس مجرد أرقام جافة في جداول إحصائية ، بل هو تبدل عميق في وعي جيلٍ بات يرى في بناء الأسرة حِملاً ثقيلاً ، متهيباً من المسؤولية الكاملة وسط أمواج متلاطمة من التزامات الحياة العصرية وتكاليفها المتصاعدة ، مما يهدد حيوية المجتمع الشاب الذي طالما تفاخرت به بلادنا كركيزة للمستقبل .
إن تفكيك هذه الأزمة العميقة يتطلب أولاً إعادة النظر في الخطوات الأولى التي تخطوها الأقدام نحو عتبات الزوجية ، وتيسير خطوة البداية عبر حلول مؤسسية ومجتمعية متكاملة .
وتكمن أولى بوابات الحل في تسهيل واختصار اشتراطات الدعم المقدم للمقبلين على الزواج وتوسيع مظلة استحقاقه ، فلا بد من تفكيك التعقيدات الإجرائية لتكون القروض والحوافز الحكومية والخيرية بلسماً يداوي مخاوف الشباب، لا قيداً تعجيزياً يثقل كاهلهم بالمعايير الصعبة ، مما يمنح الجيل الجديد الطمأنينة بأن المجتمع يقف معهم في طليعة حياتهم المشتركة .
ويترابط هذا الدعم المؤسسي ترابطاً وثيقاً مع وعي مجتمعي ملحّ ، يثمر ثقافة جديدة تعيد صياغة العادات ، وتنادي بـ تخفيض المهور واختصار متطلبات وإسراف حفلات الزفاف .
لقد أرهقت المباهاة والشكليات المادية كاهل البدايات بالديون والهموم ، بينما اليُسر والتخفيف هما المفتاحان الشرعيان والاجتماعيان اللذان تُستجلب بهما السكينة ، وتعمّ بهما البركة في الزوجين ، وتمتد آثارها الطيبة إلى الذرية ونشأتها الاستقرارية .
وفي ذات السياق ، وخضم البحث عن حلول موازية تعيد للمجتمع توازنه وتفتح أبواب الاستقرار ، تبرز فكرة (التعدد)
كإحدى المعالجات الاجتماعية والشرعية المتاحة لاستيعاب العزوف وتقليل نسب العنوسة .
ومن هنا ، تبرز الحاجة الملحة لإيجاد آلية وطنية مدروسة لدعم المعددين ، تُبنى على أسس متينة من القدرة والعدل ، وتوفر برامج ملموسة تبدأ من التمكين السكني المخصص لمن يقدم على هذه الخطوة بكفاءة ومسؤولية ، مروراً بتسهيلات ائتمانية وحوافز تدعم استقرار الأسر الكبيرة ، وصولاً إلى منصات تأهيلية تضمن التوازن النفسي والتربوي لجميع أفراد الأسرة .
إن الهدف الأسمى ليس مجرد زيادة الأعداد ، بل إعادة الروح والقدسية لمؤسسة الزواج ، بتيسير البدايات وتخفيف أعبائها على الشباب ، وإسناد من يفتحون بيوتاً متعددة تفيض بالحياة ، فبهذا التكامل تظل بيوتنا عامرة مطمئنة ، وتزدهر الأرض بضحكات صغارٍ هم غرس الغد، وعماد المجد ، وثروة الوطن الحقيقية .
د . حاتم منصور

- ترانيم البيوت الصامتة
- أزمة القراءة لدى الجيل الناشئ
- البرنامج الثقافي السعودي يختتم فعالياته في كوالالمبور بندوة عن الترجمة كوالالمبور
- محافظ صامطة يزور الشيخ أحمد بن محمد عبده النجمي ويعزيه في مصابه الأليم
- أمير جازان يتسلّم التقرير السنوي لسجون المنطقة للعام 2025



