مقالاتمنوعات

جازان… الأرض التي يمر بها الماء ولا ترتوي


بقلم : فهد بن إسماعيل السبعي

ليست المشكلة في جازان أنها تفتقر إلى الخير، بل إن الخير فيها يُهدر أمام أعيننا كل عام.

هذه المنطقة التي أنعم الله عليها بتربة خصبة، وتنوع زراعي فريد، ومناخ استثنائي، وقدرات إنتاجية هائلة، ما زالت تشاهد ملايين الأمتار المكعبة من مياه السيول تُساق من الجبل إلى البحر دون أن تترك أثراً يوازي حجم هذه النعمة.

مياهٌ تمرّ عابرة، لا تُغذي بئراً، ولا تُحيي أرضاً، ولا تُعيد للتربة خصوبتها، ولا تنعكس على الاقتصاد أو الإنسان أو الأمن الغذائي بالشكل الذي تستحقه جازان.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بإنصاف: إن من اتخذ قرار تصريف السيول نحو البحر لم يفعل ذلك عبثاً، بل حمايةً للأرواح والممتلكات، خصوصاً بعد التعديات المؤسفة على مجاري الأودية، وتحويل بطون الأودية إلى مواقع للمباني والمزارع والحظائر، في تجاوز صريح لسنن الطبيعة وقوة النظام.

فلا أحد يقبل أن تتحول السيول إلى كارثة بشرية، ولا أحد يرضى أن يتحمل المسؤول تبعات خسائر كان يمكن تجنبها.

لكن، وفي المقابل، هل يكفي أن ندفع الماء إلى البحر ثم نقف مكتوفي الأيدي أمام تراجع المياه الجوفية، وشح الآبار، وتراجع الإنتاج الزراعي، وانحسار المساحات الخضراء؟

هنا يكمن السؤال الحقيقي.

إننا لا نكتب اعتراضاً على المسؤول، بل نكتب مساندةً له، وإيماناً بأن الرأي والمشورة وتكامل الخبرات تصنع القرار الأقوى والأبقى أثراً. ومن هنا تظهر الحاجة الملحة إلى إشراك أهل الخبرة والمعرفة بطبيعة الأرض، وترشيح عدد من كبار المزارعين والعارفين بمسارات الأودية وانسيابية المياه وتضاريس المنطقة، ممن عايشوا الأرض جيلاً بعد جيل، ليكونوا شركاء في وضع الحلول وصناعة المعالجات الواقعية القابلة للتطبيق.

فهؤلاء يعرفون كيف كانت المياه تُدار بحكمة، وكيف كانت الأرض تتغذى دون ضرر أو إضرار، وكيف كانت السيول تتحول إلى مصدر حياة يعيد للآبار امتلاءها، وللتربة خصوبتها، وللمزارع قوته وإنتاجه.

جازان ليست أرضاً صغيرة محدودة الإمكانيات، بل منطقة تمتلك مساحات زراعية شاسعة، ومقومات تجعلها واحدة من أهم البيئات الزراعية في المملكة. وكانت ـ ولا تزال ـ قادرة على أن تكون سلة غذاء وطنية حقيقية، بما تنتجه من محاصيل وفواكه ومنتجات متنوعة تسهم في تحقيق التوازن للأسواق، وموازنة الأسعار، ودعم الاكتفاء الغذائي، وتغذية المصانع والأسواق المحلية بخيرات هذه الأرض المباركة.

إن جازان ليست مجرد منطقة زراعية، بل عنصر مهم في معادلة الأمن الغذائي الوطني، واستمرار عطائها الزراعي ليس مصلحة محلية فحسب، بل مصلحة وطن بأكمله.

لكن استمرار هدر مياه السيول دون حلول استراتيجية حقيقية سيقود المنطقة تدريجياً إلى أزمة بيئية وزراعية خطيرة. فالأرض التي لا تُغذى بالماء تموت بصمت، والتربة التي لا تتجدد تفقد خصوبتها، والآبار التي لا تُدعَم بمياه الأمطار تتراجع عاماً بعد عام، حتى تصبح المناطق الزراعية مجرد أراضٍ عطشى تنتظر المطر كما ينتظر المريض جرعة الحياة.

وما يزيد الأمر خطورة أن مشهد المياه وهي تُساق إلى البحر بينما الأرض تعاني من العطش، أصبح يثبط عزيمة المزارع، ويبعث برسائل سلبية للمستثمر الزراعي، الذي يبحث عن بيئة مستقرة ومستدامة للمياه والإنتاج. فحين يرى المستثمر هذا الهدر العظيم لمورد هو أساس الحياة والزراعة، تتراجع الثقة، ويضعف الحافز على التوسع والاستثمار في القطاع الزراعي بالمنطقة.

إن المطلوب اليوم ليس إيقاف تصريف السيول بالكامل، فهذا غير منطقي، بل المطلوب هو إدارة ذكية للمياه، توازن بين حماية الإنسان وتعظيم الاستفادة من هذه الثروة الطبيعية.

لماذا لا تُدرس حلول حديثة لإنشاء عقوم ترابية ومدرجات هندسية متدرجة الارتفاع في المناطق الآمنة والواسعة؟

بحيث تُوزع المياه تدريجياً وفق منسوب مدروس؛ ثلاثة أمتار في منطقة، ثم مترين ونصف، ثم مترين، ثم متر ونصف، حتى تتوزع المياه بانسيابية على مساحات شاسعة، فتتشربها الأرض، وتتغذى بها الآبار، وتُبعث الحياة في التربة من جديد.

هذه ليست أحلاماً خيالية، بل حلول طبقتها دول حول العالم لتحويل السيول من خطر موسمي إلى مورد اقتصادي واستراتيجي.

إن جازان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني متكامل لإدارة مياه السيول، يجمع بين القرار الإداري، والخبرة الهندسية، والمعرفة الميدانية المتوارثة، حتى تتحول هذه المياه من عبء موسمي إلى مصدر دائم للحياة والتنمية.

فالماء حين يُدار بعقل تنموي لا يصبح مجرد سيل عابر، بل يتحول إلى اقتصاد، وزراعة، واستثمار، واستدامة، وأمن غذائي، واستقرار للأسواق.

فالخطر الحقيقي ليس في السيل حين يأتي، بل في أن تستمر الأرض عطشى رغم مرور الماء فوقها، وأن تتحول جازان ـ شيئاً فشيئاً ـ من أرض خضراء نابضة بالحياة إلى أرض جافة فاقدة لجزء من قوتها الزراعية بسبب غياب الحلول المستدامة.

جازان لا ينقصها الخير…
بل ينقصها فقط أن نحسن إدارة هذا الخير.

وحين تُدار المياه بعقلٍ تنموي، ورؤية بعيدة، وإرادة جادة، فإن هذه المنطقة قادرة أن تتحول إلى واحدة من أعظم البيئات الزراعية في الشرق الأوسط، وأن تبقى كما أرادها الوطن: أرضاً للعطاء، ومصدراً للخيرات، وواجهةً مشرقة للتنمية الزراعية المستدامة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى