حفظ النعمة

د. خالد محمد باطرفي
عندما كنتُ أدرسُ اللُّغة في بريطانيا، كانت الأُسر الإنجليزيَّة تعطينا الطَّعام بقدرٍ مقدورٍ. فوجبة الإفطار قد لا تتجاوز الذرة بالحليب (الكورن فليكس)، مع الشَّاي. والغداء الذي نتناوله في المدرسة -عادةً- ساندوتش بالجبنة، أمَّا العَشاءُ، وهو الوجبةُ الرئيسةُ، فتحرصُ سيِّدة العائلة أنْ يحتوي على نوعٍ من البطاطس بأشكالها، المهروسة، أو المطبوخة، أو المقليَّة. أمَّا الفواكهُ، فموسميَّة. وعندما تحضر يُمنَع منعًا باتًا تناولها قبل أنْ تُقدَّم لك.
وعندما حدث مرَّة أنْ أكلتُ موزةً “تصبيرة” عندما حان موعد إفطار رمضان، وسيِّدة المنزل لم تكن موجودةً، تعرَّضتُ لتأنيبٍ شديدٍ. ولولا عذرُ الصِّيام، لدفعتُ ثمنه.
أمَّا الماءُ السَّاخنُ فمسموحُ الاستحمام به مرَّة في اليوم، أو الأسبوع (حسب قوانين الأُسرة)؛ لأنَّ التَّسخين يستهلكُ طاقةً ثمينةً. وهكذا كلُّ شيء، من المصباح إلى التلفاز.
تعلَّمتُ في رحلاتي لبريطانيا دروسًا تتجاوز اللُّغة إلى الثَّقافة. ورغم قسوتها على مَن تعوَّد على دلال الأُمِّ ووفرة المتطلَّبات، إلَّا أنَّها تتلاقى مع المنطقِ والدِّينِ، كالالتزام بالمواعيد مثلًا، وعدم إهدار النعم والموارد، ومراعاة الآخرِين في كلِّ شيءٍ، كعدمِ رفعِ صوت الموسيقى، أو استهلاك المياه الساخنة، والعودة مبكِّرًا إلى المنزل، وترتيب ونظافة الغرفة.
وحالنا قديمًا لم يكنْ يختلف. وأذكرُ في طفولتي، أنَّني كنتُ ضيفًا لأقاربنا، بن عفيف، في الرِّياض، ببيتهم الطينيِّ الجميل. كان الطعامُ شهيًّا، ولكنْ ما لفت انتباهي أنَّ بقايا الطعام، بما فيها قشرة البطيخ، لم تُهدَر. ففي البيت ماعزٌ تدرُّ الحليبَ، ودجاجٌ يوفِّر البَيض، وحمامٌ في سطوح الدَّار، وكلُّها تشاركنا الطَّعام وتوفِّره. إضافة إلى مهاداة الأكل بين الجيران. وبالنِّهاية، لم يبقَ شيءٌ يُذكر ليلقُوه في حاوية النِّفايات. أي “إعادة التدوير”، على أصولها، قبل أنْ يعرفها العالمُ.
وأعجبنِي -أيضًا- أنَّ الطين الذي بُني به البيت، يوفِّر الدفءَ في عزِّ الشتاءِ، والبرودةَ في عزِّ الصَّيفِ. والسَّاحة المفتوحة داخله، تؤمِّن ضوءَ الشَّمس والتَّهوية الصحيَّة، ونجوم السَّماء. وأنَّ الإضاءة بالكهرباء لا تكون إلَّا في المكان المُستخدَم، وبقدرِ الحاجةِ.
ومثلُ ذلك كان في بيوتنا، خاصَّةً التي بُنيت قبل الطَّفرة. فمثلُ مارأيت في الرياض، شهدتُ في بلجرشي، والباحة في السبعينيَّات، حيث كنَّا نقضِي بعض إجازاتِِنا الصيفيَّة، وننزلُ في بيوتهم الصخريَّة التي تشبهُ القلاع.
ولأنَّ الكهرباء كانت شحيحةً، فقد كانت الثلاجةُ هي الزيرُ الذي نحفظُ في مياههِ الباردةِ الفواكهَ والخضارَ. ونسقى من زيرٍ آخرَ، ونغترفُ للاستحمامِ من ثالثٍ. ونطهُو طعامنا الذي نشتريه طازجًا في الصَّباح على موقد الفحم في الساحة المفتوحة. ونسقي بماءِ الوضوءِ شجرةَ التِّين فيها.
أمَّا الفولُ والتميسُ، فلا يتبقَّى منه إلَّا الفتات التي نُطعم به غنمة الدَّار، وننثر شيئًا على السطوح لدجاج الجيران. نتعشَّى قبل صلاة العِشَاء وننامُ مبكِّرًا لنستيقظ لصلاة الفجر. ونقضِي بقيَّة اليوم بين الغابات والبساتين، وقد كان أصحابُها يقدِّمُون لنا من منتوجها، ويسمحُون لنا بقطف ما نشتهِي منها، بشرط ألَّا نهدرها.
“حفظ النعمة” مصطلحٌ ظهرَ مؤخَّرًا، إلَّا أنَّه ليس بجديد. فقد أوصانا نبيُّنا -صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ- بعدم الإسراف حتَّى من نهرٍ جارٍ. وعلَّمنا أنَّ المالَ مالُ اللهِ، ونحنُ مستخلفُونَ عليه، نأخذُ منه بقدرِ حاجتنا ونُعطي منه الجائعَ والسَّائلَ والفقيرَ. وأنَّ السَّفيه، يصادر ماله، والمبذِّرِين إخوان الشَّياطِين.
أعجبُ لمَن يتباهَى بما يحسبه كرمًا، فيقدِّم لضيفه الذبائح، بما يفوق الحاجة أضعافًا، وينتهي بجُّلِّ الطعام إلى حاويات البلديَّة. ثمَّ يدعُو ضيوفه إلى الصَّلاة جماعةً، ويقابل ربَّه دونَ أن يستحيي ممَّا ارتكب.
خرجَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في ظهيرةٍ يربطُ بطنَهُ مِن الجوعِ، فلَقِي بعضَ صحبِهِ، ومنهُم أبو بكرٍ وعمر، وقدْ أخرجهُم الجوعُ. وانتهَى بِهِم الأمرُ إلى مزرعةٍ لأنصاريٍّ فرحَ بِهم أيَّ فرحٍ، وأعدَّ لَهُم “الثَّريد” من خبزٍ ولحمٍ ولبنٍ، فأكلُوا ولمْ يملأُوا بطونَهُم كمَا أمَرَهُم جلَّ وعًلَا (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا). وبعدَ أنْ ذهبَ الجوعُ نبَّهَهُم رسولُ اللهِ (وَلَتُسْئلُنَّ يَومَئِذٍ عَن النَّعِيمِ).
تذكَّرتُ هذا كلَّه وزوجتِي تعتذرُ للصيدليِّ عن استلام ما زاد عن حاجتِي من الأدوية المصروفة. وأزالت دهشتهُ عندما شرحتْ له أنَّ هناك مرضى أحوج منَّا لها، وبدلًا أنْ تنتهي صلاحيَّة الدَّواء الفائض فمن باب “حفظ النعمة” أنْ نردَّهُ. وعندما نحتاجه نصرفُه!
لم يكنْ أمامي إلَّا أنْ أقبل علَى تردُّدٍ ثبتَ أنَّني محقٌّ فيه. فقد نقصَ بعض دوائي وأنَا في جدَّة، واضطررتُ إلى التوقُّف أيامًا عنه حتَّى عدتُ إلى الرِّياض في موعدٍ جديدٍ. ولكن معظم ما أعدنَاه لمْ احتجْ إليهِ، ولعلَّ اللهً نفعً بهِ غيرِي.
كمَا أنَّني قد اشتهِي مزيدًا من الطَّعام على المائدة، إلَّا أنَّ التخلُّص من فائضه يؤلمنِي أكثر من شهيَّة مؤقَّتة يطفئها الماءُ أو الفاكهةُ. وجسدي يتَّفق معي بأنَّ آخرَ الطعام أقله فائدة، إنْ لم يكن أكثره ضررًا. وفي المطاعم، نردُّ ما يقدَّم لنا من فائض الوجبات، خاصَّةً الرز، حتَّى لو دفعنا قيمتهَا. ونطلبُ مَا فاضَ من الأكل، حتَّى من أقراص الخبز، “سفري”، إمَّا لنهديَه مَن يحتاجه، أو لتناوله لاحقًا.
وأعجبنِي مطعم مجاور يوزِّع التَّميس المجاني الطَّازج، والفول على عمالة الحيِّ. وعندما سألتُهم عن مصير بقايا الوجبات، قالُوا لي إنَّها تُمنح لمزارع الأغنام.
وأدعو أنْ يكون هذا حال مَن استضافنا، وأحسبُ أنَّه كذلك. فحفظ النعمة في زمن يتضوَّر فيه أناسٌ من الجوع، أصبح أكثر ضرورةً؛ لدوامها، ورضا الله، وراحة النفس.. ولهون الحساب، وحُسن الجواب عندما نُسأل يَومئِذٍ عَن النَّعِيم. اللُّهُمَّ أدمهَا نعمةً واحفظهَا مِن الزَّوالِ.
- الشؤون الإسلامية تُنفذ عدة مبادرات نوعية خلال موسم الحج وأيام عيد الأضحى 1447 هجرية
- الشؤون الإسلامية بجازان تُنظّم ندوة علمية بعنوان “أخلاقيات الموظف المسلم”
- فوضى عارمة
- حفظ النعمة
- بيت الثقافة بجازان يحتضن تدشين كتاب “الفكرة أقوى منك” للدكتورة هالة هاشم



