حين يَسْكُنُنا المكان

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
صحيفة بصمة أون لاين
اعتاد الإنسان أن يفسر العالم بالأرقام. فإذا ضاق صدره في مكان ما، بحث عن درجة الحرارة، ونسبة الرطوبة، وارتفاع الأرض عن سطح البحر، وضغط الهواء، وكأن النفس البشرية معادلة حسابية يمكن اختزالها في بضعة مؤشرات رقمية.
غير أن التجربة الإنسانية كثيرًا ما تتمرد على هذا التبسيط.
فقد يقف المرء في مكان تتوافر فيه كل أسباب الراحة الظاهرة، ثم يشعر بانقباض لا يعرف له سببًا. وقد ينتقل إلى مكان آخر أقل جمالًا وأقسى ظروفًا، فيجد نفسه أكثر طمأنينة وانشراحًا. وحين يحاول أن يشرح ذلك للآخرين يعجز، لأن اللغة نفسها لا تملك دائمًا أسماء لكل ما تشعر به النفس.
لقد حقق العلم نجاحًا كبيرًا في تفسير الظواهر المادية والطبيعية، لكنه ما يزال أقل قدرة على تفسير العلاقة الخفية بين الإنسان والمكان. فنحن نعرف كيف نحسب المسافات والأبعاد، لكننا لا نعرف لماذا يختلف وقعها في النفوس من إنسان إلى آخر. ونعرف كيف نقيس الهواء، لكننا لا نعرف لماذا يبدو الهواء نفسه خفيفًا في موضع وثقيلًا في موضع آخر.
وربما كان الخطأ الأكبر أننا ننظر إلى المكان باعتباره شيئًا خارج الإنسان، بينما الحقيقة أن المكان لا يعيش خارجنا وحده، بل يعيش في أعماقنا أيضًا.
فالمكان ليس ترابًا وصخورًا وأشجارًا فحسب، بل هو مجموعة من الذكريات والانطباعات والتجارب التي تراكمت في الوعي واللاوعي عبر السنين. وقد يحمل الإنسان معه هذه الحمولة النفسية إلى كل مكان يذهب إليه دون أن يشعر.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون دائمًا: ما الذي في هذا المكان؟
بل قد يكون الأجدر أن نسأل: ما الذي يحدث بين هذا المكان وهذه النفس؟
فالعلاقة ليست علاقة طرف واحد. المكان يؤثر، والإنسان يتلقى، ثم يعيد تشكيل ما تلقاه وفق تاريخه الشخصي وذكرياته ومخاوفه وتطلعاته. ولهذا قد يشترك عشرات الأشخاص في وصف شعور معين تجاه مكان ما، لا لأن المكان يحمل سرًا غامضًا، بل لأن البشر أنفسهم يشتركون في طبائع وتجارب تجعل استجابتهم متقاربة.
إن الإنسان لا يعيش في الجغرافيا وحدها، بل يعيش في طبقة أخرى أعمق من الجغرافيا؛ طبقة لا تظهر في الخرائط ولا في الصور الجوية ولا في تقارير المناخ. إنها الطبقة التي تتكون فيها المشاعر والانطباعات والألفة والنفور والانتماء والوحشة.
ومن هنا تبدو بعض التفسيرات العلمية صحيحة، لكنها غير كافية. فقد يقال لنا إن الهواء طبيعي، وإن الضغط مناسب، وإن المؤشرات كلها ضمن الحدود المألوفة. وهذا كله قد يكون صحيحًا، لكنه لا يجيب عن السؤال الحقيقي: لماذا أشعر بما أشعر به؟
إن الإنسان ليس جهازًا يقيس البيئة ثم يصدر النتيجة بصورة آلية. إنه كائن يحمل ذاكرة، وخيالًا، وتاريخًا طويلًا من التجارب. ولذلك فإن استجابته للعالم لا تخضع دائمًا للقوانين التي تخضع لها الأجهزة.
ولعل هذا ما جعل الطبيب والمفكر الفرنسي «أليكسيس كاريل» يختار لكتابه الشهير عنوانًا لافتًا: «الإنسان ذلك المجهول». فبعد عقود قضاها العلم في دراسة الجسد وأعضائه ووظائفه، بقي الإنسان في نظره أعقد من أن يُختزل في مجموعة من التفسيرات المادية أو المعادلات العلمية. وكان يرى أن ما نعرفه عن الإنسان، على سعته، لا يزال أقل بكثير مما نجهله عنه.
ولعل هذا ما قصده بعض المفكرين حين قالوا: إن أعظم ألغاز الكون ليس النجوم البعيدة ولا أعماق المحيطات، بل الإنسان نفسه.
فكلما تقدمنا في فهم العالم الخارجي اكتشفنا أن العالم الداخلي أكثر اتساعًا وغموضًا وتعقيدًا مما كنا نظن.
ولهذا ستظل هناك أسئلة لا تستطيع الخرائط تفسيرها، ولا تكفي المعادلات لفك أسرارها، لأنها أسئلة تبدأ من المكان، ثم تنتهي في أعماق النفس البشرية.
أحد رفيدة – حي العزيزية
يوم الثلاثاء الساعة 7.15 صباحا
16/12/1447هـ
الموافق 2/6/2026م
- بين أنفاس القلم وتنهّد الكلمات
- ما زال في القلب متسع للحلم -2
- حين يَسْكُنُنا المكان
- العبدلي يحتفل بزواجه في جدة وسط حضور الأهل والأصدقاء
- مركز التراث الثقافي بجازان يحيي ذاكرة الأجداد عبر فعالية “أدوات الماضي”



