مال وأعمالمقالات

مانجو جازان … ثروة تبحث عن وطنٍ اقتصادي

بقلم : فهد بن إسماعيل السبعي
صحيفة بصمة اون لاين

في كل عام، ومع انطلاق مهرجان المانجو والفواكه الاستوائية بمحافظة صبيا، تتجه الأنظار إلى هذه التظاهرة الزراعية التي أصبحت جزءاً من هوية المنطقة، وواجهة موسمية تعكس ما تمتلكه جازان من ثراء زراعي وتنوع استثنائي في الفواكه الاستوائية، وعلى رأسها المانجو التي تحولت إلى رمز اقتصادي وزراعي وثقافي يفاخر به أبناء المنطقة.

وفي البداية، لا بد من تقديم الشكر والتقدير لكل الجهات الحكومية، والجهات الخدمية، و القطاع الخاص والفرق التطوعية، والجمعيات التعاونية، ولكل من يقف خلف هذه الجهود الكبيرة من تنظيم وتجهيز وترتيب، ولكل من يسعى لاستمرارية هذا المهرجان وإظهاره بالمظهر اللائق الذي يليق باسم جازان ومكانتها الزراعية. فهذه الجهود تُقدّر وتحترم، وهي محل فخر واعتزاز.

لكن، ورغم كل هذا الجمال، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم… بل سؤال يطرحه كل رجل غيور على المنطقة، وعلى الزراعة، وعلى مستقبل التنمية الزراعية:

متى يتحول مهرجان المانجو من فعالية موسمية جميلة إلى مشروع اقتصادي وتنموي حقيقي يحقق أثراً مباشراً على المزارع والمنطقة والشباب والكفاءات وبنات الوطن؟

فمنطقة جازان تضم أكثر من مليون شجرة مانجو، ويعمل فيها ما يزيد على 19 ألف مزارع، وتمتلك مقومات هائلة في الفواكه الاستوائية، لكن المهرجان ما زال في كثير من جوانبه محصوراً في نطاق ضيق، ووجوه تتكرر كل عام، بينما توجد طاقات كبيرة ومزارعون مميزون ومنتجون ناجحون لا يجدون مساحة حقيقية للظهور أو الاستفادة.

إن نجاح مهرجان المانجو لا يقاس بعدد الزوار فقط، بل يقاس بحجم الأثر الاقتصادي الذي ينعكس على المزارع وعلى المنطقة بأكملها.

متى نرى في المهرجان صفقات تجارية حقيقية؟
متى نشاهد مصانع للعصائر والآيس كريم والصوصات والمنتجات التحويلية وهي تتعاقد مع المزارعين؟
متى تصبح جازان مركزاً للصناعات الغذائية المرتبطة بالمانجو والفواكه الاستوائية؟

هذه الثروة الزراعية الهائلة لا ينبغي أن ينتهي مصيرها في البسطات العشوائية، أو أن تُهدر بسبب سوء التخزين والتغليف والتسويق.

المهرجان الحقيقي هو الذي يجمع:
شركات التعبئة والتغليف،
وشركات الخدمات اللوجستية،
وشركات الأسمدة والمبيدات والمدخلات الزراعية،
والمصانع،
والمستثمرين،
والمختصين،
والمزارعين…
في مكان واحد، لصناعة فرص حقيقية وتنمية مستدامة.

المهرجان الناجح هو الذي يقدم دورات تدريبية وورش عمل متخصصة للمزارعين عن:
أمراض المانجو،
وطرق التقليم،
وآليات الجني،
والتحويض،
والتخزين،
والتسويق،
والاستفادة من المخلفات الزراعية والأوراق،
وكل ما يرفع جودة المنتج ويزيد من قيمته السوقية.

حينها فقط، سيأتي المزارع من أقصى قرية في جازان وهو يشعر أن حضوره للمهرجان سيعود عليه بالنفع الحقيقي، لا بمجرد بيع عدد محدود من الكراتين في بوث بسيط .

ومن المؤسف أيضاً أن مهرجاناً بهذا الحجم ما زال يعاني من ضعف واضح في الجانب الإعلامي والتسويقي. فلا توجد حملات دعائية تسبق الحدث بالشكل الذي يليق به، ولا استثمار حقيقي للإعلام والمؤثرين وصناع المحتوى.

من الواجب أن يكون هناك اجتماع مبكر مع إعلاميي المنطقة، ووضع خطة إعلامية احترافية، واستقطاب المؤثرين، والإعلان في مختلف وسائل التواصل والمنصات الرقمية، حتى يصبح مهرجان المانجو حدثاً وطنياً ينتظره الجميع، لا مجرد فعالية محلية عابرة.

كما أن توقيت إقامة المهرجان له دور كبير في نجاحه، إذ ينبغي أن يكون في بداية وباكورة الموسم، وفي توقيت مدروس يحقق كثافة حضور وزخماً شرائياً وإعلامياً، مع ضرورة توفير موقع أوسع وأكثر تنظيماً وقدرة على استيعاب الشركات والزوار والفعاليات.

ومن المهم أيضاً دعوة المزارعين المتميزين من مختلف مناطق المملكة، وتبادل الخبرات الزراعية، ونقل التجارب الناجحة، فالمهرجان ليس فقط للبيع… بل منصة وطنية للتطوير الزراعي.

إن من أكبر التحديات التي تواجه منتج المانجو الجازاني اليوم، هو ضعف التنظيم التسويقي، وغياب الهوية البصرية الموحدة، وترك المجال لبعض البسطات العشوائية التي تسيء للمنتج المحلي عبر سوء العرض والتخزين والتغليف، بل وحتى التلاعب في أسماء الأصناف، مما يخلق صورة سلبية لدى المستهلك.

وفي المقابل، نجد أن المنتج المستورد ينافس بقوة، ليس لأنه أفضل جودة بالضرورة، بل لأنه يظهر بصورة أجمل وتنظيم أكثر احترافية في التعبئة والتغليف والعرض والتسويق.

وهنا يجب أن تتدخل الجهات ذات العلاقة لحماية المنتج المحلي، وتنظيم السوق، وتوضيح مصدر المنتجات، وحفظ حقوق المزارع الجازاني، حتى لا تُشوّه سمعة مانجو جازان، ولا يُظلم المزارع الحقيقي الذي تعب وسقى وانتظر الموسم طوال العام.

إن مهرجان المانجو ليس مجرد خيام وأركان بيع…
بل هو ثروة اقتصادية ضخمة، وفرصة استثمارية هائلة، ومشروع تنموي قادر على خلق وظائف، وتحريك الصناعات التحويلية، ودعم الجمعيات التعاونية، وتمكين الشباب والفتيات، وتحويل جازان إلى عاصمة للفواكه الاستوائية في المملكة.

وعندما يصبح المهرجان منصة اقتصادية متكاملة، ويُدار بعقلية استثمارية وتنموية، ويُبنى على تقييم مستمر للإيجابيات والسلبيات، وأفكار جديدة غير تقليدية، ودعم حقيقي من القطاعين الحكومي والخاص…
حينها فقط سنقول إن مهرجان المانجو نجح فعلاً، وأن هذه الثروة وُضعت أخيراً في مكانها الصحيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى