مقالات

هل أنا شيخ… أم مجرد لقب؟

قراءة جدلية في معنى المشيخة بعد الجدل حول المشلح

بقلم : الإعلامي حامد محمد الطلحي الهذلي

لم يكن الجدل الذي دار مؤخرًا حول من يستحق أن يلبس المشلح جدلًا حول قطعة قماش فحسب، بل كان في عمقه سؤالًا عن المعنى قبل المظهر، وعن الاستحقاق قبل الزينة، وعن حقيقة المشيخة: هل هي لباسٌ يُرتدى أم مقامٌ يُرتقى؟

كتبتُ سابقًا أن المشلح ليس حكرًا على أحد، لأنه زيٌّ عربي أصيل وزينة اجتماعية راقية، ولا يجوز أن يُختزل في فئة دون أخرى، غير أن ما تلا ذلك من نقاشات كشف أن القضية أعمق من المشلح ذاته، وأن المجتمع لا يختلف على القماش بقدر ما يختلف على المعنى.


هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل الشيخ من لبس المشلح، أم من حمل الحِلم؟ وهل المشيخة لقبٌ اجتماعي يُتداول على الألسنة، أم مسؤولية أخلاقية تُختبر في المواقف؟ وهل تُمنح بالمجاملات، أم تُثبتها التجارب حين تضيق الدوائر وتشتدّ اللحظات؟


العرب حين أطلقوا كلمة “شيخ” لم يقصدوا مجرد كبير السن، ولا صاحب المجلس الأوسع، ولا الأكثر حضورًا في المناسبات، بل قصدوا من يُرجع إليه عند الاختلاف، ويُستند إليه عند الشدّة، ويُطمأن إليه إذا اضطربت الآراء وتباينت الاتجاهات.


قالوا قديمًا: “السيد من ساد قومه بالحِلم”، فجعلوا الحِلم معيارًا للمقام، لا الهيئة، وجعلوا الاتزان ميزانًا للسيادة، لا اللباس ولا المظهر الخارجي مهما بلغ من أناقةٍ وجمال.


وإذا كان المشلح رمزًا للوقار، فإن الوقار لا يُشترى بخيطٍ ذهبي ولا يُقاس بحافةٍ مطرزة، بل يُنسج من صبرٍ طويل، وعدلٍ ثابت، ولسانٍ موزون يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.


قال المتنبي: “وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام”، فالنفوس الكبيرة لا تحتاج إلى إعلانٍ يسبقها، ولا إلى لقبٍ يرفعها، لأنها ترتفع بذاتها، أما الصغيرة فتبحث عن اللقب لتسدّ به فراغًا داخليًا لا يراه الناس ولكن يشعر به صاحبه.


الجدل حول المشلح كشف خللًا في فهمنا للمشيخة؛ فبعضنا ظنّ أن الزينة تصنع المقام، وأن الرمز يمنح الشرعية، بينما الحقيقة الثابتة أن الرمز يتبع المعنى ولا يسبقه، وأن الهيئة تكمّل القيمة ولا تصنعها من العدم.


المشيخة ليست امتيازًا شخصيًا يُتباهى به، بل تكليفًا اجتماعيًا يُحاسَب عليه صاحبه، وليست رفعةً في صدر المجلس، بل ثقلًا في لحظة القرار حين تتباين المصالح وتتصارع الرؤى.


هي ليست لقبًا يُكتب قبل الاسم في بطاقةٍ رسمية، بل سلوكًا يُرى بعد الاسم في مواقف الحياة اليومية، حيث يُختبر الحِلم، ويُوزن العدل، وتُكشف المعادن.


قال أحد الحكماء: “الزعامة امتحانٌ يومي، لا لقبٌ أبدي”، ومن ادّعى المشيخة فعليه أن يسأل نفسه قبل أن يطالب الناس باعترافهم: هل أملك من الحِلم ما يطفئ النزاع، وهل أملك من العدل ما يجعل المختلفين يقبلون حكمي، وهل أملك من الاتزان ما يمنعني من الانجراف خلف هوى أو عصبية؟


فإن كان الجواب نعم، كان المشلح عليه زينةً تليق به، وإن كان الجواب لا، صار المشلح عليه عبئًا يكشف أكثر مما يستر، ويحمّله ما لا يطيق.


ليست القضية أن نمنع أحدًا من لباسٍ جميل، ولا أن نحتكر رمزًا اجتماعيًا لفئةٍ دون أخرى، بل أن نعيد ترتيب المعايير حتى لا يختلط الرمز بالجوهر، ولا يُقدَّم الشكل على الحقيقة.


فالمشلح مباح لكل من أراد التزيّن به في إطار الذوق والعرف، أما المشيخة فمستحقة لمن حمل شروطها، وأثبت في المواقف أنه ميزانٌ عند الاختلاف لا طرفٌ فيه، وجسرٌ بين الناس لا شرارةً بينهم.


عندها فقط ينتهي الجدل، لأن المشيخة لن تكون مسألة مشلح يُلبس، بل مسألة مواقف تُحفظ، وسيرةٍ تُروى، وأثرٍ يبقى بعد انصراف المجالس وانطفاء الأضواء.


فالمشلح ليس حكرًا على أحد، أما المشيخة فليست حقًا لكل أحد، وإنما مقامٌ يُمنح حين يطمئن الناس إلى صاحبه، وتثبته الأيام حين تمتحنه الظروف.

Views: 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى