هل كُتب عليّ أن أبقى هكذا؟

بقلم – صالح الريمي – صحيفة بصمة
الفراشة لا تولد بأجنحتها، بل تبدأ حياتها يرقةً زاحفة، تعيش في عزلةٍ طويلة، كأنها تنسحب من العالم لتعيد بناء نفسها من جديد، فتمرّ بتحوّلٍ كامل، وصامتٍ ومؤلم، ثم تخرج إلى الحياة بأجنحةٍ ملوّنة، وكأنها تعلن: أن الجمال يولد من الصبر، وأن التغيير ليس سهلًا، لكنه الطريق الوحيد للنمو ..
في زاويةٍ هادئة من غصنٍ قديم، كانت يرقة صغيرة تزحف ببطء، ترى الفراشات تحلّق فوقها، فتتساءل في صمت: “هل كُتب عليّ أن أبقى هكذا؟” كانت تحاول أن ترفع جسدها أكثر، أن ترى السماء، لكنها في كل مرة تعود إلى الأرض، كأن الجاذبية أقوى من أحلامها، ومع مرور الأيام، بدأت تنسحب شيئًا فشيئًا، ابتعدت عن كل شيء، وصنعت لنفسها غلافًا صغيرًا، انعزلت فيه عن العالم، حتى ظنّ من حولها أنها انتهت.
لكن ما لم يروه أحد، أنها في الداخل لم تكن ساكنة، بل كانت تعيد تشكيل نفسها بصمت، كانت تنهار، لتُبنى من جديد، بعد أن مرّ الوقت ثقيلًا، وكأن الحياة نسيتها داخل ذلك الغلاف، لكن الحقيقة أنها كانت تُعدّها لشيءٍ أعظم ..
وفي يومٍ هادئ، تشقّق الغلاف وببطءٍ شديد خرجت، لكنها لم تخرج كما دخلت، خرجت بأجنحة وقفت للحظة، كأنها لا تصدّق، حرّكت جناحيها بتردّد، ثم ارتفعت لأول مرة، وتركت خلفها كل تلك الأيام التي ظنّت فيها أنها عالقة.
لم تنظر إلى الأرض بحزن، بل نظرت إليها بفهم، وأدركت أن الزحف لم يكن ضعفًا، وأن العزلة لم تكن نهاية، وأن ذلك السكون الطويل كان بداية الطيران، ومن يومها، كلما رأت يرقةً صغيرة، تبتسم، وكأنها تقول لها بصمت: “لا تخافي من مرحلتك” فالأجنحة تُصنع في الخفاء ..
ليست الفراشة كائنًا وُلد خفيفًا كما نظن، بل هي حكاية ثِقلٍ طويل انتهى بخفّة، بدأت يرقةً تزحف على الأرض، تلامس التراب أكثر مما ترى السماء، كأنها خُلقت لتتعلّم الصبر قبل أن تتعلّم الطيران، ثم اختارت العزلة لا هروبًا، بل عودةً إلى الداخل، حيث لا أحد يرى ما يحدث، ولا أحد يسمع صوت التحوّل وهو يعيد تشكيلها من العدم.
ترويقة:
لم تكن الفراشة متأخرة، كانت فقط تُصنع في الخفاء، نسخة أكثر عمقًا وقسوة: في داخل ذلك الغلاف الضيّق، لم تكن تنتظر، كانت تختفي، تذوب ملامحها، تتفكك كما لو أن الحياة تسحب منها كل ما عرفتْه عن نفسها، لا شكل، لا هوية، لا يقين ..
ولو رآها أحد في تلك اللحظة، لظنّ أنها النهاية، لكن الحقيقة كانت أشد قسوة: لم تكن تموت، كانت تُجبر على أن لا تبقى كما هي، فالتحوّل لم يكن جميلًا، كان فقدًا كاملًا لما كانت تعتقد أنه “هي”، وحين خرجت، لم تخرج لأن الألم انتهى، بل لأن الألم أكمل مهمته، خرجت بأجنحة، لكنها كانت تعرف جيدًا: أن الطيران ثمنه أن تمرّ بمرحلةٍ لا تُشبهك، ولا يفهمها أحد.
ومضة:
العزلة ليست دائمًا سجنًا، أحيانًا تكون ورشةً سرّية نُرمّم فيها أرواحنا، ونُعيد تشكيل أنفسنا بعيدًا عن ضجيج العالم، وليس كل من اختفى انتهى، ولا كل من سكن استسلم، هناك من يمرّ بمرحلةٍ لا تُرى، يذوب فيها كل ما كانه، تتلاشى ملامحه القديمة، ويشعر أنه لم يعد يعرف نفسه، هي مرحلةٌ قاسية، لا يفهمها أحد، ويُساء تفسيرها كثيرًا، ويظنّها الناس ضعفًا، وهي في حقيقتها إعادة تشكيل.
كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك
- أمير منطقة جازان يستقبل سفير جمهورية باكستان لدى المملكة
- هل كُتب عليّ أن أبقى هكذا؟
- تنفيذ فرضية في مجال الصحة النباتية بالمشاعر المقدسة
- قهوة الجبل وذكريات اللقاء
- بين يدي الإنسان والقدر



