مقالاتمناسبات

وقضى ربك… الوصية التي تسبق كل الوصايا

اليوم العالمي للوالدين برضاهم تحلو الحياة


بقلم الإعلامي : حامد محمد الطلحي الهذلي
صحيفة بصمة اون لاين

ليست كل الوصايا سواء؛ فبعضها يُقال على سبيل النصح، وبعضها يُذكر على سبيل الإرشاد، لكن هناك وصيةً عظيمةً جاءت بصيغة القضاء الإلهي الذي لا يعلوه أمر، ولا تسمو فوقه قيمة، ولا يسبقه حق بعد حق الله عز وجل.

قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.


تأمل هذا الترتيب الرباني البديع؛ إذ جاء حق الوالدين مباشرة بعد حق الخالق سبحانه وتعالى، وكأن القرآن الكريم يضع للإنسان ميزانًا لا يختل، ويؤسس منظومةً أخلاقيةً لا تستقيم الحياة إلا بها.


وفي اليوم العالمي للوالدين، لا نقف أمام مناسبة اجتماعية عابرة، بل أمام قيمة إنسانية عظيمة، وأمام قصة عمرٍ كامل من البذل والعطاء والتضحية. نقف أمام أمٍّ حملت في أحشائها وهنًا على وهن، وسهرت الليالي الطويلة وهي تخفي ألمها لتمنح أبناءها الراحة والأمان، وأمام أبٍ أفنى سنوات عمره كادحًا مجتهدًا ليصنع لأبنائه مستقبلًا أفضل، ويزرع في طريقهم الأمل والثقة.


كم من أمٍّ بكت ولم تُخبر أحدًا بسبب بكائها!
وكم من أبٍ أخفى همومه خلف ابتسامةٍ هادئة كي لا يقلق أبناؤه!


إنهما مدرسة الحب الأولى، وجامعة الوفاء الكبرى، والظل الوارف الذي نستظل به من قسوة الأيام وتقلبات الحياة.


ولأن الإسلام دين الوفاء والرحمة، فقد جعل بر الوالدين عبادةً عظيمة، وقربةً جليلة، وسببًا من أسباب رضا الله عز وجل. ولم يكتفِ بالدعوة إلى الإحسان إليهما، بل نهى حتى عن أدنى مراتب التضجر والتأفف، فقال سبحانه:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.


إنها رسالة ربانية تُعلِّم الإنسان أن الاحترام لا يكون في الأفعال فحسب، بل يبدأ من الكلمة، ومن نبرة الصوت، ومن نظرة العين.
ولعل من أعجب المفارقات أن بعض الناس يجتهد في كسب رضا الغرباء، ويسعى وراء الثناء والتقدير من الآخرين، بينما يغفل عن أعظم شهادة نجاح يمكن أن ينالها في حياته: رضا والديه.


ذلك الرضا الذي لا يُشترى بالمال، ولا يُنال بالمناصب، ولا يُقاس بالمكاسب، لكنه يفتح أبواب التوفيق، ويبارك الأعمار، ويشرح الصدور، ويزرع الطمأنينة في القلوب.


وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد».


فأي منزلة أعظم من منزلة جعل الله رضاه متعلقًا برضا الوالدين؟
وأي خسارة أفدح من أن يعيش الإنسان قريبًا من هذا الكنز العظيم ثم يفرط فيه؟


إن كثيرًا من الناس لا يدركون قيمة الوالدين إلا بعد الرحيل، حين تتحول أصواتهم إلى ذكريات، ومجالسهم إلى حنين، ودعواتهم إلى أمنيات لا تُستعاد.


عندها فقط يدرك المرء أن بعض النعم لا تُعرف قيمتها إلا بعد فقدها، وأن هناك أبوابًا من الخير كانت تُفتح له كل يوم بفضل دعوة أم، أو رضا أب.


وفي هذا اليوم العالمي للوالدين، فلنجدد العهد بالبر والإحسان، ولنجعل من هذه المناسبة محطةً للمراجعة والتأمل، لا للاحتفال العابر فقط.


فلنقترب من والدينا أكثر، ولنمنحهم من وقتنا واهتمامنا ومحبتنا ما يستحقون، ولنتذكر دائمًا أن أجمل الهدايا ليست أغلاها ثمنًا، بل أصدقها شعورًا.


قبلة على جبين أم، وكلمة امتنان لأب، ودعوة صادقة في ظهر الغيب، قد تكون عند الله أعظم من كثير من الأعمال.


ويبقى الوالدان نعمةً لا تُقدَّر بثمن، وسندًا لا يعوضه أحد، ورحمةً يمشي أثرها معنا ما حيينا.


فطوبى لمن أدرك والديه وأحسن إليهما، وطوبى لمن حمل رضاهما في قلبه ودعاءهما في طريقه، فبرضاهم تحلو الحياة، وبدعائهم تُفتح الأبواب، وبمحبتهم تزهر الأيام، وبفقدهم ندرك أن بعض النعم لا تتكرر مرتين.

مقالات
بقلم: الإعلامي حامد محمد الطلحي الهذلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى