رمضان المبارك… للعبادة أم لاستعراض الأطعمة؟

عبدالله شراحيلي
صحيفة بصمة اون لاين
يأتي شهر رمضان كل عام كضيفٍ كريم، يطرق أبواب القلوب قبل البيوت، ويوقظ في الأرواح معنى السموّ والصفاء. هو شهرٌ تتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب السماء للدعوات. لكن يبقى السؤال الذي يلحّ علينا في كل موسم: هل رمضان للعبادة أم لاستعراض الأطعمة؟
رمضان في جوهره عبادةٌ قبل أن يكون عادة، وروحٌ قبل أن يكون مائدة. هو شهر الصيام الذي شرعه الله تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للشهوات، وتربيةً للضمير. يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ…كما كتب على الذين من قبلكم ٠٠لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
فالتقوى هي الغاية، لا الامتلاء؛ والسموّ هو المقصد، لا التفاخر.
غير أن مشهد رمضان في عصرنا بات يحمل وجهًا آخر؛ موائد عامرة بما لذّ وطاب، وصور تتزاحم في منصات التواصل، وتنافسٌ غير معلن في تنويع الأطباق وتزيين السفرة. حتى أصبح بعض الناس يستعدّ للشهر بقائمة المشتريات أكثر مما يستعدّ له بقائمة الطاعات!
وليس في إعداد الطعام أو إكرام الأهل والضيوف ما يُلام؛ فإفطار الصائمين من أعظم القربات، والكرم خُلقٌ نبيل. لكن الخلل يبدأ حين تتحوّل المائدة من وسيلة إلى غاية، ومن نعمةٍ إلى مظاهرة استهلاكية تُرهق الجيوب وتُثقل القلوب.
كم من بيتٍ امتلأت مائدته، وخلت مصحفه!
وكم من مطبخٍ اشتعلت نيرانه، وخمدت فيه شعلة القيام!
رمضان مدرسةٌ للاتزان. فيه نتعلّم أن نأكل لنقوى على العبادة، لا أن نعبد بطوننا بعد صيامها. فيه نتذوّق لذة الجوع لنشعر بجوع الفقراء، لا لنُسرف فيما فاض عن حاجتنا. فيه نرتّب أولوياتنا؛ فنقدّم الصلاة على الطبق، والقيام على القِدر، والصدقة على الكماليات.
إن أجمل موائد رمضان ليست تلك التي تتعدّد فيها الأصناف، بل تلك التي تجتمع حولها القلوب في خشوعٍ ومحبة. أجملها حين يبدأها أهلها بدعاء، ويختمونها بشكر، ويجعلون بينها نصيبًا للمحتاجين. فالمائدة التي تُطعم جسدًا وتُحيي روحًا هي المائدة المباركة حقًا.
فلنُراجع أنفسنا في هذا الشهر الكريم:
هل يزداد رصيدنا من الخشوع كما يزداد مخزوننا من الأطعمة؟
هل نُعدّ جدولًا للقرآن كما نُعدّ قائمة للمشتريات؟
هل نفرح بصفحةٍ نختمها كما نفرح بطبقٍ نبتكره؟
رمضان فرصةٌ لا تتكرر كثيرًا؛ أيامه معدودات، وساعاته تمضي سريعًا. فليكن همّنا فيه أن نخرج بقلوبٍ أنقى، وأرواحٍ أصفى، وعلاقاتٍ أصلح. ولتكن موائدنا جسورًا للمحبة لا ساحاتٍ للمباهاة.
ففي النهاية، رمضان للعبادة أولًا، وللطعام بقدر الحاجة، لا بقدر القدرة.
هو شهر تُزكّى فيه النفوس قبل أن تُملأ الصحون، وتُروى فيه الأرواح قبل أن تُروى البطون.



