خبيئة الصالحين .. السرُّ الذي يفتح أبواب التوفيق

د. مصلح البركات – صحيفة بصمة اون لان
في حياة الإنسان لحظات لا يفسرها الحساب المادي ولا يحيط بها المنطق الظاهر؛ لحظات يُفتح فيها باب بعد أن أُغلق، ويُيسر أمر بعد أن استعصى، وتأتي النجاة في الوقت الذي يظن فيه المرء أن كل السبل قد انقطعت. هذه اللحظات كثيرًا ما يكون وراءها سر خفي لا يراه الناس، ولكنه معروف عند الله؛ إنها خبيئة العمل الصالح، ذلك الرصيد الخفي الذي يخبئه الإنسان بينه وبين ربه بعيدًا عن أعين الخلق وألسنتهم.
وخبيئة العمل الصالح ليست مجرد عبادة يؤديها المرء في خلوته، بل هي حالة من الصفاء الإيماني يحرص فيها المؤمن على أن يكون له عمل لا يطلع عليه أحد، لا يمدحه الناس من أجله، ولا ينتظر عليه ثناءً أو تقديرًا. قد تكون ركعات في جوف الليل لا يعلم بها أحد، أو صدقة خفية تُدفع في صمت، أو دمعة صادقة في لحظة خشوع، أو دعاء في ظلمة الليل لا يسمعه إلا الله. هذه الأعمال الصغيرة في ظاهرها، العظيمة في حقيقتها، تتحول مع الزمن إلى كنز روحي عجيب يرافق صاحبه في حياته كلها.
وقد أدرك السلف الصالح قيمة هذه الخبيئة، فكانوا يحرصون عليها كما يحرص الإنسان على أعز ما يملك. كانوا يرون أن العمل إذا خالطه نظر الناس فقد شيئًا من نقائه، أما إذا بقي سرًا بين العبد وربه فإنه يكون أقرب إلى القبول وأعظم أثرًا في حياة صاحبه. ولهذا كان بعضهم يقول: اجعل لك خبيئة من العمل الصالح كما تجعل لنفسك خبيئة من المال.
إن سر خبيئة العمل الصالح يكمن في الإخلاص، والإخلاص هو الوقود الحقيقي للتوفيق. فالإنسان قد يعمل أعمالًا كثيرة يراها الناس، لكنها لا تترك أثرًا عميقًا في حياته، بينما قد يعمل عملًا واحدًا في الخفاء فيكون سببًا في تبدل أحواله وفتح أبواب الخير أمامه، لأن الله إذا علم صدق القلب وصدق النية تولى صاحبه بعنايته، وهيأ له من الأسباب ما لم يكن في حسبانه.
ولهذا كان التوفيق في حياة بعض الناس أمرًا لافتًا؛ ترى أبواب الخير تتفتح لهم، والعقبات تتذلل في طريقهم، والقلوب تميل إليهم، فيظن الناس أن الأمر مجرد حظ أو مهارة، بينما الحقيقة أن وراء ذلك رصيدًا خفيًا من الطاعة والصدق مع الله. فالله لا يضيع عملًا أخلص له، ولا يترك عبدًا طرق بابه بصدق في خلوته.
ومن عجيب أثر هذه الخبيئة أنها لا تظهر دائمًا في صورة مكافأة مباشرة، بل قد تظهر في صور متعددة؛ في سكينة القلب، وفي حسن الخاتمة، وفي سلامة الصدر، وفي تيسير الأمور، وفي النجاة من مواقف صعبة. إنها أشبه بدرع خفي يحيط بالإنسان في حياته، يحفظه الله به من كثير من البلاء ويهيئ له من الخير ما لا يتوقعه.
وفي زمن أصبحت فيه الأعمال تُنشر وتُعلن وتُعرض في وسائل التواصل، صار الإنسان بحاجة أشد إلى أن يحتفظ بشيء من عمله لله وحده، لا يراه الناس ولا يسمعون به. لأن القلب إذا اعتاد أن يعمل للناس ضعف إخلاصه، وإذا اعتاد أن يعمل لله في الخفاء قويت صلته بربه.
إن خبيئة العمل الصالح ليست مجرد فضيلة إضافية في حياة المؤمن، بل هي سر من أسرار البركة والتوفيق. ومن أراد أن يرى أثرها فليجرب أن يجعل بينه وبين الله عملًا لا يعلمه أحد، يداوم عليه ولو كان قليلًا، ثم ليراقب كيف تتغير حياته وكيف تتفتح له أبواب لم يكن يتوقعها.
فما أجمل أن يمضي الإنسان في هذه الحياة وبين يديه أعمال يعرفها الناس، وخلفه كنوز خفية لا يعلمها إلا الله. تلك الكنوز هي التي تنفعه حين تخذله الأسباب، وهي التي تضيء له الطريق حين تظلم الدروب، وهي التي تفتح له أبواب التوفيق في الدنيا قبل الآخرة. لأن ما كان لله خالصًا لا يضيع، وما خُبِّئ عند الله أعظم مما يُظهره الناس.
- الخميس 6 ذو القعدة دخول كنة الثرياء
- القنفذة تحتفي بـ”ذهبها الأصفر”.. انطلاق مهرجان المانجو الـ15 لتعزيز الإنتاج الزراعي ودعم الاقتصاد المحلي
- الجَبَنَة..حين تُغلي القهوة ذاكرة جازان
- جازان تحتفي باليوم العالمي للتراث بفعاليات ثقافية متنوعة في بيت الثقافة
- الأدب في بيئة العمل… حين ترتقي القيم لتنصنع ثقافة مهنية واعية



