الجَبَنَة..حين تُغلي القهوة ذاكرة جازان

بقلم: إبراهيم النعمي – صحيفة بصمة
الجَبَنَةُ إناءٌ يُصنع من الطين، يُعجَن بالماء حتى تتشكّل عجينته، ثم يُشكَّل بعناية ويُترك ليجف، قبل أن يُحرق في أفرانٍ تقليدية تمنحه الصلابة والمتانة، ليصبح صالحًا للاستخدام اليومي.
وتُعدّ الجَبَنَة واحدة من أشهر الأواني الفخارية التي يستخدمها أهالي منطقة جازان في إعداد القهوة؛ سواء قهوة البن مع الهيل، أو قهوة القشر، خصوصًا في المناسبات كشهر رمضان المبارك. فهي تضفي على القهوة نكهةً مميزة، وتحتفظ بحرارتها مدةً مناسبة، لتصبح رمزًا لعشّاق القهوة ومتذوقيها، حيث تُسكب في فناجين طينية تضاعف من لذّتها.

تُملأ الجَبَنَة بالماء، ثم توضع على “المركب” — وهو إناء فخاري يُوضع فيه الفحم — حتى يغلي الماء. بعدها تُضاف بودرة البن والهيل، وقد يضيف البعض قهوة القشر أو مكونات أخرى كـ”النخوة” و”الخُضيرا”، فتفوح رائحة القهوة الزكية التي تُشمّ من أقصى الحارة. ثم تُغطّى فوهتها بـ”الفشيشة”، وتُصب القهوة في الفناجين.
هذه المشاهد ليست مجرد وصفٍ لطريقة إعداد القهوة، بل هي جزء من ذاكرةٍ حيّة عشتها في مطبخ والدتي فاطمة — رحمها الله — قبل الطفرة التنموية التي شهدتها المملكة العربية السعودية في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز — رحمه الله — حيث تبدّلت ملامح الحياة، ودخلت الكهرباء والمياه، وتحوّلت البيوت من العِشَش والعريش إلى المباني الحديثة.
لم تكن الجَبَنَةُ مجرد إناءٍ يُغلي الماء، بل كانت تغلي معها تفاصيل الحياة… أحاديث الأمهات، ودفء المجالس، ورائحة الزمن الجميل.
كانت تختصر البساطة في أجمل صورها، وتروي حكاية جيلٍ عاش على القليل، فكان كثير الرضا.
ورغم هذا التحوّل الكبير، وتطوّر المطابخ ودخول أجهزة الغاز والثلاجات والمكيفات، بقيت والدتي — رحمها الله — وفيةً لطقوسها القديمة، فلم تستغنِ عن الطباخة، ولا عن الجَبَنَة والمركب، ولا عن الميفا والفانوس، حتى وافتها المنية.
رحلت تلك الأيام، وبقيت الجَبَنَة شاهدةً على زمنٍ لا يُنسى…
زمنٍ كانت فيه القهوة تُصنع على مهل، لتُشرب بمحبة.
رحم الله والدتي، فقد كانت حين تُعد القهوة، تُعد معها الحياة.
رحمها الله رحمةً واسعة، فقد كانت الجَبَنَة في يديها أكثر من إناء… كانت ذاكرة وطن، ورائحة حنين.
- حين يُفرض الإحسان قبل العدل
- أمير منطقة جازان يستقبل سفير جمهورية باكستان لدى المملكة
- مشاركة بيئة الشمال في تشجير مسيح العويصي ضمن مبادرة اليوم العالمي للأرض
- نماذج من الكرم عبر التاريخ
- حين تُقارن فتُهاجَم… يولد الاختلاف



