مقالات

حين يُفرض الإحسان قبل العدل

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ثَمّة لحظاتٌ لا ينكشف فيها الخلل من ضجيج الخصومة، بل من هدوء الوعظ. لحظاتٌ يُستدعى فيها الدين لا ليزن الموقف، بل ليُطفئ أثره، فيتحوّل الخطاب الأخلاقي – من حيث لا يشعر أصحابه – إلى أداةٍ لتسكين الألم بدل إزالة سببه. هنا لا تكون المشكلة في النصوص، ولا في الدين نفسه، وإنما في ترتيبٍ مقلوبٍ للقيم؛ حيث يُقدَّم الإحسان قبل العدل، وتُطلب الفضيلة من الجريح قبل أن يُسأل الجارح عن فعله، على خلاف الميزان القرآني الذي قدّم العدل على الإحسان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأمُرُ بِٱلعَدلِ وَٱلإِحسَانِ﴾ {النحل:90}.

ليست المعضلة أن يخطئ الناس في الفهم، فذلك من طبيعة البشر، وإنما أن تتحوّل بعض الأحاديث إلى شعارات جاهزة تُستدعى كلما احتاج المجتمع إلى الصمت. يُقال للمظلوم: بادر بالسلام، وصِل من قطعك، واصبر واحتسب، بينما يظل السؤال الأكبر معلقًا في الهواء: من يردّ المظلمة؟ ومن يوقف الاعتداء؟ ومن يعيد للحق مكانه قبل الدعوة إلى التسامح؟

لقد درج الناس على الاقتطاع المريح من النصوص الدينية؛ يأخذون منها ما يحفظ الهدوء، ويتركون ما يزعج التوازنات القائمة. فحديث «أنت ومالك لأبيك» مثلًا، الذي قُصد به الحث على البر والتوسعة، حُمّل عند بعضهم ما لم يحتمله، حتى أصبح ذريعةً لدى من يتعدّى على أموال أبنائه دون قيد أو حاجة، متناسين أن الشريعة التي عظّمت حق الوالد لم تُسقط حرمة المال، ولم تجعل الأبوة صكًّا للتملّك أو الجور. فالنصوص لا تُفهم مفردةً، بل ضمن منظومةٍ قوامها العدل ورفع الضرر.

والمشهد يتكرر في صور أخرى: خلافٌ عائلي، ظلمٌ واضح، سمعةٌ شُوِّهت، وانحيازٌ عاطفيٌّ يختلّ معه الميزان، وجرحٌ ما يزال نازفًا. ثم يجيء الوعظ موجّهًا إلى الطرف الأضعف وحده: بادر إلى الصلح، لا تقطع الرحم، كن أفضل أخلاقًا. أمّا من بدأ بالظلم فيبقى بعيدًا عن دائرة الخطاب، لأن مواجهته أثقل، ولأن القرب العاطفي كثيرًا ما يُعمي البصيرة. وهنا يظهر جوهر المشكلة: ليس الصلح هو الخطأ، بل أن يُطلب قبل الاعتراف بالخطأ، وأن يُقدَّم كبديلٍ عن العدالة لا امتدادًا لها.

إن الوعظ الصادق يبدأ بإقامة الميزان، لا بتجميل اختلاله. فالدين لم يأتِ ليعلّم المظلوم كيف يتحمّل الظلم، بل ليمنع وقوعه ابتداءً؛ ولذلك لم يُطالَب المجروح بالصمت، بل أُبيح له أن يصدع بما أصابه، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَولِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ {النساء:148}.

والفرق شاسعٌ بين أن يكون العفو اختيارًا حرًّا بعد إنصاف، وبين أن يُفرض على الإنسان بوصفه واجبًا أخلاقيًا بينما حقوقه ما تزال معلّقة. فالعدل فريضة، والإحسان مرتبةٌ أعلى لا تُفرَض على من لم ينل حقه بعد.

ومن هنا تتضح خطورة الوعظ الزائف؛ ذلك الذي يكثر حديثه عن الصبر ويقلّ حديثه عن ردّ المظالم. خطابه هادئ، كلماته مألوفة، لكنه – في العمق – يعيد إنتاج الخلل نفسه. إذ يطالب المظلوم بأخلاق الأنبياء، ويعفي الظالم من أبسط مقتضيات العدالة. ومع الزمن، لا يعود الضرر فرديًا فحسب؛ بل ينشأ جيل يظن أن التدين يعني حماية الأقوى، وأن النصوص وُجدت لتسكين الجراح لا لمعالجتها.

ولعلّ أعمق ما يكشف هذا الخلل قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَموالُكُم وَأَولادُكُم فِتنَةٌ﴾ {التغابن:15}. فالفتنة هنا ليست في المال ولا في الأبناء بذاتهم، بل في الاختبار الذي يصنعه الحب حين يواجه الحق. فكم من إنسانٍ أراد الإصلاح، لكنه انحاز لمن يحب، فصار يطالب المظلوم بالتنازل لأنه لا يملك شجاعة مواجهة الأقرب إلى قلبه. عندها يتحول الميل العاطفي إلى حجابٍ رقيق يحول دون رؤية العدل كاملًا.

إن الامتحان الحقيقي لا يكون مع الغرباء، بل مع القريب الذي نحبّه؛ حيث تختلط الرحمة بالتحيز، ويصعب التفريق بين الحرص والإنصاف. ولذلك كان العدل في العلاقات الأسرية أشقّ أنواع العدل، لأنه يصطدم بالعاطفة لا بالمصلحة وحدها.

ليس المطلوب أن تُلغى فضائل الصلح، ولا أن تُهمَل دعوات التسامح؛ فهذه من أجمل ما جاء به الدين. لكن ترتيبها هو جوهر الحكمة: يُعاد الحق أولًا، ثم يُفتح باب الفضل لمن شاء أن يسمو بنفسه. أمّا قلب الترتيب، فهو الذي يجعل الفضيلة غطاءً للخلل، ويحوّل الوعظ إلى أداة ضغطٍ على الطرف الأضعف.

إن الكلمة الصادقة ليست تلك التي تُسكت النزاع بسرعة، بل التي تُعيد الميزان إلى موضعه الصحيح. فالسلام الحقيقي لا يولد من صمت المجروح، بل من عدالةٍ تُنصفه، ثم تترك له حرية أن يعفو أو لا يعفو. وحين يُطلب من الكفّة المكسورة أن تتزن وحدها، لا يكون ذلك إصلاحًا، بل صورةً مهذّبة لاستمرار الجرح.

وفي النهاية، يبقى الدين – في جوهره – ميزانًا لا يميل مع الهوى، ورحمةً لا تُستعمل لتبرير الظلم. فمن أراد الوعظ حقًّا فليبدأ من موضع الخلل، لا من موضع الألم؛ لأن الصرامة الحقيقية ليست في قسوة الخطاب، بل في شجاعة العدل حين يصعب قوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى