دين ودنيا

حين يزهر الفرح على مآذن الصائمين

د. مصلح البركات – صحيفة بصمة اون لاين

ما إن يعلن الأفق ولادة هلال العيد حتى تتبدّل ملامح الأيام، كأن الروح قد نفضت عنها غبار التعب، وارتدت ثوبًا من نور ورضا. يأتي عيد رمضان لا بوصفه مناسبة عابرة، بل تتويجًا لرحلة إيمانية عميقة، قطع فيها الصائم دروب الصبر، ولامس فيها معنى السمو على شهوات النفس، حتى صار الفرح فيه مختلفًا؛ فرحًا نقيًا لا تشوبه زينة زائلة، بل يتكئ على طمأنينة القلب وامتلائه بالقرب من الله.

في صباح العيد، تتعانق التكبيرات مع خيوط الفجر، وتنبض المساجد بجموعٍ أقبلت تحمل في ملامحها أثر السجود وطول القيام. هناك، لا تفرّق الصفوف بين غني وفقير، ولا بين كبير وصغير، بل يجتمع الجميع تحت راية واحدة عنوانها الشكر. الشكر على بلوغ رمضان، وعلى تمامه، وعلى ما أفيض فيه من رحمات، وكأن القلوب تهمس: “لقد تغيّرنا، فاقبل منا يا رب”.

وللعيد في البيوت حكاية أخرى، حيث تمتزج رائحة القهوة بحنين اللقاءات، وتعود العلاقات إلى دفئها الأول بعد أن رقّقتها أيام الصيام. الأيادي التي امتدت بالعطاء في رمضان، تستمر في البذل في العيد، لكن هذه المرة بابتسامة أوسع، وقلب أكثر اتساعًا. فالعيد ليس فقط أن نلبس الجديد، بل أن نُجدّد ما تآكل في داخلنا من مشاعر، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا على ضوء ما تعلّمناه.

وفي زحام التهاني، يظل العيد رسالة خفية لكل نفسٍ خاضت معركة الصبر: أن ما بعد الطاعة ليس كما قبلها، وأن من ذاق لذة القرب لا يرضى بالبعد. لذلك، فإن أعظم ما يمكن أن نحمله من رمضان إلى العيد هو الاستمرار؛ استمرار النقاء، واستمرار الصدق، واستمرار تلك اللحظة الصافية التي وقفنا فيها بين يدي الله بلا أقنعة.

إن عيد رمضان ليس نهاية موسم، بل بداية عهد جديد مع النفس، عهدٍ تُصان فيه المكتسبات، ويُحافظ فيه على ذلك النور الذي أضاء القلب. ومن أدرك هذا المعنى، أدرك أن العيد الحقيقي ليس يومًا في التقويم، بل حالة يعيشها الإنسان كلما انتصر على ضعفه، وكلما اقترب خطوة أخرى نحو الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى