مقالات

الخِيَرة فيما اختاره الله

د. مصلح البركات – صحيفة بصمة اون لاين

يمضي الإنسان في دروب الحياة وهو يحمل في قلبه أمنياتٍ كثيرة، ويرسم لنفسه مساراتٍ يتخيل فيها السعادة والنجاح، فيتعلق قلبه بأمرٍ يراه الخير كله، أو يفرّ من أمرٍ يظنه شقاءً محضًا، غير أن التجربة الإنسانية كثيرًا ما تكشف أن ما اختاره الإنسان لنفسه قد يكون باب تعاسته، وأن ما اختاره الله له قد يكون مفتاح خيره في الدنيا والآخرة. وهنا تتجلّى حقيقة عظيمة من حقائق الإيمان، وهي أن الخِيَرة الحقيقية ليست فيما يريده العبد لنفسه، بل فيما يختاره الله له.

فالإنسان محدود الرؤية، ينظر إلى اللحظة القريبة ولا يرى امتداداتها في المستقبل، ويحكم على الأمور بظاهرها العاجل، بينما علم الله محيطٌ بكل شيء، يرى ما كان وما يكون وما سيكون، ويعلم خفايا المصالح التي لا تدركها العقول القاصرة.

ولذلك جاء البيان القرآني حاسمًا في تقرير هذه الحقيقة حين قال الله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. إنها آية تختصر فلسفة الحياة الإيمانية كلها؛ فكم من أمرٍ كرهه الإنسان وكان فيه نجاته، وكم من أمرٍ أحبّه وكان فيه هلاكه.

كم من إنسان سعى إلى وظيفة ظنّ أنها طريق المجد، فلما حُرمها ظن أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهه، ثم لم تمضِ الأيام حتى فُتحت له أبواب خيرٍ لم يكن يتخيلها، وكم من شخص تعلّق بأمرٍ ورأى فيه خلاصه، فلما انصرف عنه حزن لذلك أشد الحزن، ثم اكتشف بعد حين أن الله صرف عنه شرًا كان خفيًا عليه. وهكذا تتكرر في حياة الناس شواهد كثيرة تؤكد أن تدبير الله أرحم بالعبد من تدبيره لنفسه.

إن من أعظم مظاهر لطف الله بعباده أن يمنعهم ما يحبون، أو يؤخر عنهم ما يتمنون، أو يصرف عنهم طريقًا ظنوه طريق السعادة. فالمنع أحيانًا عين العطاء، والتأخير قد يكون حكمةً ورحمة، لأن الله يعلم أن العبد لو نال ما أراد في الوقت الذي أراد لكان فيه ضرر عليه في دينه أو دنياه. ولذلك قال بعض الحكماء: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، فإذا فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء.

وقد يكره الإنسان في بداية الأمر ما قدّره الله عليه من ابتلاء أو خسارة أو تحول في مسار حياته، لكنه مع مرور الزمن يكتشف أن ذلك الحدث كان نقطة التحول الكبرى التي غيّرت حياته إلى الأفضل، وأن الله ساقه عبر ذلك الطريق الصعب إلى خيرٍ لم يكن ليصل إليه لو سارت الأمور كما أراد.

فكم من مصيبة كانت في ظاهرها ألمًا، لكنها في حقيقتها بداية وعيٍ جديد، أو بداية طريقٍ آخر أكثر بركةً وأوسع أثرًا.

ومن هنا فإن راحة القلب لا تتحقق بكثرة ما يتحقق من رغبات الإنسان، بل تتحقق بالرضا بما يختاره الله له. فالرضا يفتح باب الطمأنينة، ويحرر النفس من القلق الدائم على ما فات أو الخوف مما هو آتٍ. والمؤمن حين يستقر في قلبه اليقين بأن تدبير الله خير من تدبيره، وأن اختيار الله أرحم من اختياره لنفسه، يعيش الحياة بقلبٍ مطمئن، يجتهد ويأخذ بالأسباب، لكنه يسلّم النتائج لله، راضيًا بما قسم، واثقًا بأن الخير فيما اختاره الله.

ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ أن يسأل الله الخير حيث كان، وأن يرضيه به، لأن الإنسان قد يسأل شيئًا لا يعلم عاقبته، أما الله سبحانه فيعلم السر وأخفى. فإذا تحقق للعبد هذا اليقين، أدرك أن كل ما يجري في حياته ـ من فتحٍ أو منع، ومن لقاءٍ أو فراق، ومن ربحٍ أو خسارة ـ إنما يجري وفق حكمة إلهية عظيمة قد تخفى عليه في البداية لكنها تتجلى مع الأيام.

إن الحياة تعلم الإنسان درسًا عميقًا كلما تقدم به العمر، وهو أن كثيرًا من الأبواب التي أُغلقت في وجهه كانت رحمة، وأن طرقًا كثيرة لم يُكتب له السير فيها كانت نجاة، وأن اختيارات الله له كانت ألطف وأرحم من اختياراته لنفسه. وعندها فقط يفهم المعنى الحقيقي لهذه الكلمة المضيئة التي تتردد في قلوب المؤمنين: الخِيَرة فيما اختاره الله؛ فهي كلمة تختصر الإيمان بالقدر، وتزرع في القلب طمأنينة عميقة، وتعلّم الإنسان أن يثق بحكمة الله حتى في اللحظات التي لا يفهم فيها ما يحدث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى