منوعات

بين يدي الإنسان والقدر

بقلم /أحمد بن هبه بن علي هادي
صحيفة بصمة اون لاين

بين يدي الإنسان والقدر مسافةٌ لا يقطعها الذهب، ومساحةٌ لا تُؤثِّثها الأرقام؛ فالحياة في جوهرها «معنى» لا «مقتنى». إن المفارقة الكبرى التي يعيشها الثريّ المحروم هي امتلاكه وسائل العيش وافتقاره إلى غاياته؛ فقد يشتري بماله أطايب الطعام، لكنه لا يشتري «لذّة الجوع» التي تمنح الطعام طعمه، ويقتني أفخم الأسرّة وريش النعام، لكنه يظل عاجزًا عن شراء «سكينة النوم» التي تهرب من جفون الأرقى.

إن المال، برغم سطوته، يقف ذليلًا على عتبات الغيب؛ فهو يكدّس الصيدليات في ركن الدار، لكنه لا يملك صكّ «الشفاء»، ويطوّق المعصم بأغلى الساعات، لكنه لا يحبس «الزمن» الهارب من بين أصابعه، ولا يشتري لحظةً واحدةً من عمرٍ مضى. وحتى في ميدان الفضيلة، يمتلئ الرفّ بمجلدات «الأخلاق» المذهّبة، بينما يظل الخُلق نبتةً تُسقى بماء الروح لا بورق النقد؛ فما نفع الكتاب إذا لم يستوطن الأدبُ القلب؟

لذا، لا تكمن الحكمة في تكنيز المادة، بل في «أَنْسَنَتِها» وربط الامور في بعضها . فالمال يكون حجابًا إذا سكن القلب، ويكون نورًا وقنطرةً إذا استقرّ في اليد لخدمة الغاية الأسمى. إن المثقّف الحق هو من يدرك أن القيمة ليست فيما نملك، بل فيما «نكون»؛ فالثروة الحقيقية هي تلك التي تتحول إلى زادٍ يُقرّبنا من الله، وتُسخَّر في طاعته، لتصبح وسيلةً لرضاه لا غايةً تُلهي عن لقائه.

فاللهم اجعل ما آتيتنا من مالٍ حبالًا من نورٍ تصلنا بك، وقوةً تعيننا على طاعتك، ولا تجعلنا من الذين ملكوا الدنيا وخسروا أنفسهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى