ملكة سبأ كيف أنقذت امرأةٌ أمتها من حربٍ خاسرة؟

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
يقف التاريخ طويلًا أمام لحظاتٍ نادرةٍ تُصنع فيها مصائرُ الأمم لا بقرقعة السيوف، بل بصفاء العقول. ومن أبهى تلك اللحظات ما سجّلته قصة ملكة سبأ مع النبيّ الملك سليمان عليه السلام؛ إذ لم تكن تلك القصة مجرد روايةٍ دينيةٍ تُتلى، بل نموذجًا مبكرًا في إدارة الأزمات السياسية، ودليلًا عمليًّا على أن الحكمة قد تكون أحيانًا أقوى من الجيوش.
بدأت القصة برسالةٍ لا تشبه الرسائل في شيء. لم تصل عبر سفير، ولم تمرّ عبر بوابات القصور، بل وصلت مباشرةً إلى داخل مخدع الملكة، فقالت وهي تصف وقعها قبل مضمونها: «إني أُلقي إليَّ كتابٌ كريم». كانت تلك العبارة وحدها كافيةً لتدلّ على أن الحدث استثنائي، وأن الموقف يتجاوز حدود المراسلات التقليدية بين الملوك.
ثم جاء مضمون الرسالة في خمس كلماتٍ فقط: «ألا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين». رسالة قصيرة، لكنها تحمل وضوحًا حاسمًا، وثقةً لا تصدر إلا عن قائدٍ يعلم قدر قوته. فالقوة الحقيقية لا تُطيل الحديث عن نفسها؛ لأنها تُثبِت حضورها بالفعل قبل أن تنطق به الكلمات.
غير أن موضع العظمة في هذه القصة لم يكن في الرسالة وحدها، بل في الطريقة التي قرأت بها الملكة الرسالة. فلم تنسق وراء استفزاز القوة، ولم تستجب بانفعالٍ سياسي سريع، بل قرأت ما وراء الكلمات، وأدركت أن ملكًا يستطيع إيصال رسالته إلى داخل غرفتها المحصّنة دون أن يراه أحد ليس ملكًا عاديًّا، وأن القدرة التي تقف خلف تلك الرسالة ليست قدرةً مألوفةً يمكن التعامل معها بمنطق الصدام التقليدي.
في مثل هذه اللحظات تميل الدول عادةً إلى استعراض القوة، وهذا ما عبّر عنه قادة جيشها حين قالوا: «نحن أولو قوةٍ وأولو بأسٍ شديد». لكن الملكة لم تنجرّ وراء الحماسة العسكرية، ولم تصادم مجلسها في الوقت نفسه، بل قالت في حكمةٍ سياسيةٍ لافتة: «ما كنتُ قاطعةً أمرًا حتى تشهدون». فاستمعت إليهم لتحفظ تماسك الدولة، ثم اتخذت القرار الذي يمليه عليها تقدير الموقف لا اندفاع اللحظة.
كان قرارها بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: اختبار نيات الخصم قبل اتخاذ قرار الحرب. ولذلك قالت: «وإني مرسلةٌ إليهم بهديةٍ فناظرةٌ بم يرجع المرسلون». لم تكن الهدية مجاملةً سياسية، بل كانت أداة اختبارٍ استراتيجي لمعرفة طبيعة الطرف الآخر: هل هو ملكٌ يسعى إلى التوسع الدنيوي، أم صاحب رسالةٍ يتجاوز مشروعه حدود السلطة؟
وحين جاء الردّ برفض الهدية مقرونًا بتهديدٍ واضح: «فلنأتينهم بجنودٍ لا قبل لهم بها»، أدركت الملكة أن المواجهة في مثل هذا الظرف ليست دفاعًا عن الكرامة، بل مخاطرةٌ بمصير الأمة كلها. وهنا اتخذت القرار الأكثر شجاعة في مسيرتها السياسية: أن تختار سلامة شعبها بدل أن تختار مغامرة الحرب.
وعندما قدمت إلى سليمان عليه السلام أراد أن يختبر رجاحة عقلها، فكان السؤال المفاجئ بعد إحضار عرشها من اليمن إلى الشام: «أهكذا عرشك؟». وهو سؤالٌ لو أُجيب عنه بإثباتٍ مباشر لأوقع صاحبه في مأزقٍ عقلي، ولو أُجيب عنه بنفيٍ صريح لأوقعه في مأزقٍ إدراكي، فجاء جوابها القصير البليغ: «كأنه هو»؛ إجابةٌ جمعت الحذر والذكاء في عبارةٍ واحدة، وأظهرت أن القيادة ليست قوة قرارٍ فحسب، بل دقة تقديرٍ أيضًا.
إن قصة ملكة سبأ ليست مجرد قصةٍ في التاريخ، بل درسٌ متجددٌ في فن القيادة السياسية؛ إذ أثبتت أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا في خوض الحروب، بل في تجنّبها حين يكون ثمنها مستقبل الأوطان. ولهذا بقي اسمها حاضرًا في الذاكرة الإنسانية لا لأنها قادت جيشًا إلى معركة، بل لأنها قدّمت نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن نسمّيه اليوم: القيادة التي تنتصر بالحكمة قبل أن تنتصر بالقوة.
- العيد الذي لم يكتمل.. 100 دقيقة من الفقد تُحوّل فرحة صامطة إلى حزنٍ لا يُنسى
- “معًا نرسم فرحة العيد”.. معايدة للأيتام بجازان
- فراق الأحبة ورجاء اللقاء في جنات النعيم
- المملكة العربية السعودية.. ريادة عالمية في إدارة الحشود البشرية
- جمعية البر الخيرية بجازان تشكر مؤسسة الغويري الخيرية على دعم مبادرة «بركم طازج



