آدابمقالات

فينيق جازان … من بيعِ الفُلّ إلى صناعةِ الأثر .

بقلم – أحمد الفيفي
صحيفة بصمة أون لاين

في أمسيةٍ اتّكأت على الصدق، واستضاءت بسيرةِ كفاحٍ ملهمة، نظّمت جمعية أثر الشبايية لقاءً حواريًّا مثريًا في مقهى قطفة تشرين بأبو عريش ، استضافت فيه الدكتور أحمد حسن علوش مدخلي في لقاءٍ حمل الكثير من المعاني الإنسانية، واستعرض محطاتٍ من التعب، والصبر، والإيمان، حتى غدت التجربةُ شاهدًا حيًّا على أنّ البداياتِ المتواضعة قد تُفضي إلى قممٍ سامقة حين يقودها الطموح.

فينيق جازان ... من بيعِ الفُلّ إلى صناعةِ الأثر .

وقد كان لي شرفُ إدارةِ الجلسةِ الحوارية، حيث تنقّل الحوارُ بين تفاصيلِ النشأة، والتحولات، والأسئلة التي تمسُّ واقعَ الشباب وطموحاتهم، في أجواءٍ اتّسمت بالقرب والعمق والوضوح.

واستعاد الدكتور أحمد مدخلي شيئًا من طفولتِه، حين كان يعملُ في بيعِ الفُلِّ والخضار، قبل أن يتنقّل بين أعمالٍ متعدّدة؛ من العملِ في كبائنِ الهاتف، إلى الحراسةِ الأمنية، ثم تطبيقاتِ التوصيل، في رحلةٍ طويلةٍ لم تكن مفروشةً بالسهولة، وإنما شُقّت بالصبر، والتعب، والإصرار على مواصلةِ الطريق.

وكان لافتًا في حديثه ذلك الاتزانُ الذي يرويه الإنسانُ بعدما يعبرُ مراحلَ الشقاء، إذ تحدّث عن الألمِ بوصفه جزءًا من صناعةِ الوعي، وعن المعاناةِ التي تُهذّبُ النفس، وتكشفُ معادنَ البشر، مؤكدًا أنّ اليقينَ بالله، والإيمانَ بتعويضه، من أعظمِ ما يمنحُ الإنسانَ قدرةً على الاستمرار مهما ضاقت الظروف.

كما أشار إلى أهميةِ اختيارِ التخصصِ مبكرًا، موضحًا أنّ المرحلةَ الثانوية — وخصوصًا أول ثانوي — تُعدُّ من أهمِّ المراحل التي يبدأ فيها الإنسانُ باكتشافِ ذاته وميوله، وأنّ الشغفَ الحقيقيَّ لا يُفرضُ على المرء، وإنما ينمو من الداخل، ويقوده نحو المجال الذي يشعر فيه بالانتماء.

وبيّن أنّ الإنسانَ قد يُجرّب كثيرًا من الطرق، ويتنقّل بين اهتماماتٍ متعدّدة، غير أنّه حين يجدُ حقيقتَه في أمرٍ يحبّه، يبدأ الإبداعُ بالتجلّي بصورةٍ مختلفة، لأنّ الحبَّ الصادقَ للعمل يُحوّل الجهدَ إلى متعة، ويمنحُ الإنسانَ قدرةً أكبر على التميّز والعطاء.

وتخلّل اللقاءَ الحواريَّ تفاعلٌ لافتٌ من الحضور، إذ تنوّعت المداخلاتُ بين الاستفساراتِ العميقة، والطروحاتِ الملهمة، والمشاركاتِ التي حملت كثيرًا من الفائدةِ والتأمل، مما أضفى على الأمسيةِ حيويةً واتساعًا في الطرح، وأسهم في صناعةِ حوارٍ ثريٍّ تجاوز حدودَ السردِ التقليدي، ليغدو مساحةً لتبادلِ التجارب، وتعزيزِ قيمةِ الأثرِ والمعرفة.

وتناول اللقاءُ مفهومَ التأثيرِ والأثر، حيث أكّد الدكتور أحمد مدخلي أنّ التأثيرَ الحقيقيَّ لا يرتبطُ بالمظاهر، وإنما بالأخلاق، والصدق، والقدرةِ على خدمةِ الناس، مشيرًا إلى أنّ الإنسانَ الناجحَ يظلُّ متواضعًا، قريبًا من الآخرين، يحملُ روحًا مُلهمة، ويؤمنُ بأنّ الخيرَ يتّسعُ للجميع.

ولم تغب الأمُّ عن هذا المشهد الإنساني؛ فقد أشاد بدورِ والدته وما مثّلته من سندٍ عظيمٍ في مسيرته، ودعائمَ صلبةٍ أعانته على إكمالِ دراسته وبناءِ طريقه، مستذكرًا دعاءَها الذي لازمه، وكيف كان سببًا في دفعِ البلاء وتيسيرِ الصعاب، حتى غدت الأمُّ في حديثه رمزًا للعطاء الذي لا يُعوَّض، والحنانِ الذي يصنعُ الرجال.

كما أشار إلى موقفٍ مؤثرٍ حين جرى تكريمه من أميرِ منطقةِ عسير، فآثرَ أن تُكرَّم والدتُه قبله، وفاءً وامتنانًا لمن كانت خلفَ كل نجاح.

فينيق جازان ... من بيعِ الفُلّ إلى صناعةِ الأثر .

ولم يغب عن اللقاء الحديثُ عن الجهودِ الكبيرة التي تبذلها المملكة العربية السعودية
في تمكينِ الشباب، ودعمِ التعليم، وفتحِ مساراتِ التطوير والعمل، في ظلِّ رؤيةٍ وطنيةٍ صنعت فرصًا واسعةً للأجيال، وأسهمت في تحويلِ الطموحاتِ إلى منجزاتٍ واقعية.

وتخلّل اللقاءَ تفاعلٌ واسعٌ من الحضور، إذ تنوّعت المداخلاتُ بين استفساراتٍ عميقةٍ وطروحاتٍ واعية، مما جعل الحوارَ أكثر ثراءً وامتدادًا، وأضفى عليه بُعدًا إنسانيًّا ومعرفيًّا متجدّدًا.

وهكذا انقضى اللقاء، وبقي أثرُه ممتدًّا في الوجدان فقد كان شهادةً حيّةً على أنّ الإنسانَ قادرٌ — بإيمانِه وصبرِه وصدقِ سعيِه — أن يعبرَ مسافاتِ العناء حتى يبلغَ موضعَه الذي يليقُ بروحه.

في زمنٍ تتزاحمُ فيه الأصوات، تبقى التجاربُ الصادقةُ وحدها قادرةً على أن توقظُ في الداخلِ معنى الأمل، وتُعيدُ للإنسانِ إيمانَه بأنّ الطريقَ مهما أثقلتهُ المتاعب، فإنّ خلفَ الصبرِ فجرًا، وخلفَ الدعاءِ أبوابًا من التيسير، وخلفَ كلِّ قلبٍ صادقٍ أثرًا لا يزول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى