آدابمقالات

حين يتحول عنترة إلى تهمة

العنترية بين الفروسية الحقيقية واستعراض القوة الزائفة

مقالات الإعلامي حامد الطلحي الهذلي
صحيفة بصمة اون لاين

كثيرًا ما تتردد على ألسنتنا كلمة «العنترية» في لحظات الخلاف والغضب، حتى أصبحت من أكثر الأوصاف تداولًا في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي. فإذا بالغ أحدهم في إظهار قوته، أو ارتفع صوته على الآخرين، أو لوّح بنفوذه وسلطته، قيل له ساخرًا: «اترك عنك العنترية»، وكأن الكلمة أصبحت مرادفًا للغرور والتعالي واستعراض القوة.

لكن هل تساءلنا يومًا: ما أصل هذه الكلمة؟ وهل أنصفت صاحبها الأول؟
إن «العنترية» منسوبة إلى الفارس العربي الشهير عنترة بن شداد العبسي، ذلك الرجل الذي خلد التاريخ اسمه بين فرسان العرب وشعرائهم. غير أن المفارقة العجيبة أن كثيرًا من الناس يرددون الكلمة اليوم بمعنى يختلف كثيرًا عن حقيقة الرجل الذي اشتقت منه.


فلم يكن عنترة مجرد مقاتل يلوح بسيفه في وجوه الناس، ولم يكن صاحب كبر أو استعلاء، بل كان فارسًا عرف بالشجاعة والمروءة والوفاء، وشاعرًا رقيق المشاعر، عذب الألفاظ، خلدت قصائده قصة حبه لعبلة كما خلدت بطولاته في ميادين القتال.


لقد عاش عنترة صراعًا إنسانيًا قاسيًا قبل أن يعيش صراع السيوف. عانى من نظرة المجتمع إليه بسبب لون بشرته وأصل أمه، فكان عليه أن يثبت مكانته بخلقه وشجاعته قبل أن يثبتها بقوته. ولذلك كانت فروسية عنترة دفاعًا عن الكرامة أكثر من كونها استعراضًا للقوة.


غير أن الألفاظ شأنها شأن البشر؛ تتغير مع الزمن، وتنتقل من معنى إلى آخر، حتى تحولت «العنترية» في الوعي الشعبي إلى وصف لكل من يتباهى بقوته أو يفرض رأيه بالتسلط والعناد.


والحقيقة أن مجتمعاتنا اليوم تعاني من صور متعددة من العنترية الحديثة؛ لكنها لم تعد تمتطي الخيل، ولم تعد تحمل السيوف. بل أصبحت تظهر عبر الشاشات والهواتف والمنصات الرقمية. نراها في تعليق غاضب، أو منشور متعجرف، أو نقاش يتحول إلى معركة لإثبات الذات، أو شخص يظن أن ارتفاع صوته دليل قوة، وأن قسوته على الآخرين علامة هيبة.


وما أكثر الذين يخلطون بين الرجولة والفظاظة، وبين الشجاعة والتهور، وبين الحزم والتسلط.


إن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، والشخصية الواثقة لا تحتاج إلى استعراض. فالنهر العميق يجري بهدوء، أما الجداول الضحلة فهي الأكثر صخبًا.


وقد وضع الإسلام ميزانًا دقيقًا لمعنى القوة حين قال النبي ﷺ:«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».


فكم من إنسان انتصر على خصومه وخسر نفسه، وكم من إنسان كظم غيظه فانتصر على أكبر أعدائه: نفسه وهواه.


إن المجتمعات لا تبنى بالصوت المرتفع، ولا بالتهديد، ولا بالتفاخر الفارغ، وإنما تبنى بالحكمة والاحترام والقدرة على الحوار. فالشخص الذي يستطيع أن يضبط انفعاله عند الغضب أقوى ممن يضبط مجلسًا كاملًا بالخوف، والذي يكسب القلوب أعظم أثرًا ممن يكسب المعارك.


ولعل الظلم الأكبر الذي وقع على عنترة بن شداد أن اسمه أصبح يُستدعى أحيانًا لوصف سلوكيات لا تمت إلى فروسية العرب بصلة.


فبين عنترة الفارس الذي دافع عن قومه، وعنترية بعض الناس اليوم مسافة شاسعة من الأخلاق والوعي والنبل.

ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل:
هل المشكلة في عنترة، أم في أولئك الذين ورثوا اسمه ولم يرثوا قيمه؟


فليس كل من رفع صوته شجاعًا، وليس كل من استعرض قوته فارسًا، لأن الشجاعة الحقيقية ليست في الانتصار على الناس، بل في الانتصار على النفس، والسيطرة على الغضب، والتحلي بالحكمة عند القدرة.


وهنا فقط يتحول الإنسان من صاحب «عنترية» إلى صاحب «فروسية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى