مقالات

الأسرة حين تطعن أحد أفرادها

كتبه محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ثَمّة مواقف لا تُفسَّر، لأنها حين تقع تُسقِط الحاجة إلى التفسير. مواقف لا تُناقَش، لأنها حين تُعاش تُنهي الجدل من جذوره. أن تستبعد الأسرةُ أحدَ أفرادها عن فرحه استبعادًا كاملًا، لا عن طريق الخطأ بل عن طريق الاتفاق الصامت أحيانا، وغير الصامت أحيانا أخرى.

فذلك ليس سوء تقدير، بل إعلان قاسٍ بأن مكانه قد أُفرغ منه عمدًا. في تلك اللحظة، لا يُفاجأ القلب، بل يتأكد… ذلك التأكيد الذي يقتل ما تبقّى من وهم الانتماء.

هذا النوع من الإقصاء لا يحدث فجأة. بل سبقه زمنٌ من التجاهل المتراكم، ومن التهميش الممنهج، ومن الرسائل غير المنطوقة التي تقول للإنسان، مرةً بعد مرة، إنه زائد عن الحاجة.

تُفسَّر المواقف أول الأمر بحسن نيّة: عذرٌ هنا، وانشغالٌ هناك، حتى يتضح أن الغياب ليس عارضًا، بل سياسة، وأن الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة كاملة في القتل البطيء للمشاعر.

إن ذروة القسوة، ومرارة اللحظة، أن تُترك إنسانةٌ وحيدةً في فرحها، وأن تقف بلا سند في مناسبةٍ يُفترض أنها إعلانُ انتماء؛ فذلك ليس جرحًا عاطفيًا فحسب، بل هدمٌ كاملٌ لمعنى الأسرة.

حتى الرجل، بكل ما يُقال عن صلابته، لا يحتمل هذا الإقصاء الجماعي، فكيف بامرأةٍ رقيقة التكوين، حسّاسة الشعور، تُسعدها وردة، ويكسرها تغيّر ملامح وجه؟ امرأة لا تطلب احتفاءً، بل مجرد اعترافٍ بوجودها.

في مثل هذا الموقف، لا تُجرح المشاعر فقط، بل تُغتال. يُقتل الإحساس بالقيمة، ويُسحق الشعور بالانتماء، ويُترَك القلب ليستنتج وحده الحقيقة الأقسى: أَنك غير مرغوب فيك، وأن حضورك لا يعني شيئًا، وأن غيابك لا يلفت انتباه أحد. وهذه رسالة لا تحتاج إلى كلمات، لأن أثرها أقسى من أي لفظ.

لا يولّد هذا الألم غضبًا صاخبًا، بل انكسارًا داخليًا صامتًا يشبه القتل البطيء. بعده لا تعود الأفعال بريئة، ولا العلاقات آمنة، ولا الذكريات متساوية.

يتغيّر الإنسان من الداخل؛ يصبح أكثر حذرًا، أقل ثقة، وأشدّ وعيًا بأن بعض الروابط لا تُبنى على الدم، بل تُهدم به حين يُساء استخدامه.

وأسوأ ما في هذا الإقصاء أنه لا يترك مجالًا للتصالح، لأنه لا يعترف أصلًا بوجود الجرح. فالطرف الذي أُقصي عن أسرته يُطالَب دائمًا بالصبر، وبالفهم، وبالتجاوز، وبالاحتساب، بينما يُترك وحده ليلملم ما تحطّم فيه، كأن الألم قدرٌ شخصي لا علاقة لأحد به.

هذه ليست قصة خلافٍ عائلي، بل شهادة على قسوةٍ إنسانيةٍ مكتملة الأركان؛ قسوةٌ تُمارَس بهدوء، وتُبرَّر بالصمت، وتترك أثرها العميق في نفسٍ لم تطلب يومًا إلا أن تُعامَل بقدرٍ يسير من الود والرحمة.

كتبه محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

‫3 تعليقات

  1. مقالك جميل وكتابته متماسكة وأسلوبك مؤثر ويصل للقارئ بسرعة لكن وأنا أقرأه كنص عام لا أعرف أطرافه ولا تفاصيل الواقعة شعرت أن العاطفة في النص قادت الحكم بدل أن تخدم الفهم وأن تأجيجها قد يقوّي القطيعة بدل أن يفتح باب الإصلاح.
    والذي لفتني أيضًا في الصياغة أنك استخدمت عبارات مشحونة لتوجيه القارئ عاطفيًا قبل عرض أي تفاصيل مثل: (ثَمّة مواقف لا تُفسَّر) و(مواقف لا تُناقَش) ثم (إعلان قاسٍ) و(القتل البطيء للمشاعر) و(تُغتال) و(يُسحق) و(هدمٌ كاملٌ لمعنى الأسرة) هذه مفردات تُصعّد الإحساس وتغلق مساحة التفكير لأنها تُشعر القارئ أن الاعتراض قسوة وأن السؤال تشكيك وأن الطرف الآخر مدان مسبقًا ثم تأتي عبارة (امرأةٍ رقيقة التكوين حسّاسة الشعور تُسعدها وردة ويكسرها تغيّر ملامح وجه) لتثبيت صورة الضحية المثالية ودفع القارئ للانحياز تلقائيًا هذا الأسلوب ينجح في إثارة التعاطف لكنه لا يساعد على الإنصاف لأنه يستبدل الوقائع بمناخ عاطفي يجعل أي قراءة أخرى تبدو بلا رحمة.
    وفيه نقطة اجتماعية وعقلانية أساسية في بناء المقال حيث أنك تقدّم القصة كأنها معادلة جاهزة أسرة كاملة مخطئة ومتواطئة وامرأة واحدة بريئة وهذا البناء جذاب عاطفيًا لكنه ضعيف اجتماعيًا لأن العلاقات داخل الأسرة لا تُدار بهذا الشكل الأبيض والأسود والأسرة شبكة فيها طبائع مختلفة ومواقف متباينة ومحاولات صلح وتعب وتراجع وخوف من التصعيد فإذا خرجت النتيجة عندك أن الجميع على خطأ واحد متعمد فهذا يحتاج وقائع ثقيلة لا مجرد وصف مؤثر.
    كما انه اجتماعيًا أيضًا لا يستقيم أن يتفق عدد كبير من الأقارب على الإقصاء من غير سبب متكرر أو تجربة سابقة قد يكون السبب صحيحًا أو خاطئًا لكن وجود سبب أقرب من فرضية (سياسة قسوة) اتفق عليها الجميع لأن الناس بطبيعتها تختلف واحد يلين واحد يُصلح واحد يعتذر واحد يحضر واحد يوازن فإذا جعلت الجميع كتلة واحدة فقد ألغيت الواقع الاجتماعي، وصنعت صورة تخدم إحساس الضحية أكثر مما تخدم الحقيقة.
    ثم تأتي النقطة الأخطر حين تُثبت في ذهن القارئ أن المرأة هي الصح وحدها وأن الجميع ضدها بظلم متعمد فأنت لا تصف مشكلة أنت تصنع إطارًا يُغلق كل أبواب الحل لأن أي محاولة وساطة ستُقرأ عندها تنازلًا عن الحق وأي دعوة لها لمراجعة النفس ستُقرأ ظلمًا جديدًا وأي صوت داخل الأسرة يحاول التهدئة سيُعامل كجزء من المؤامرة بهذا المعنى أنت لا تواسيها فقط أنت تعطيها مبررًا اجتماعيًا للاستمرار في القطيعة وربما التصعيد.
    ومن هنا يظهر أثر التأجيج العاطفي العاطفة حين يُستخدم بهذه الطريقة فيصير وقودًا بحيث ان القارئ يتأثر ثم يتبنى الحكم ثم ينحاز ثم يكره الطرف الآخر ثم يبرر القطيعة وهذا يتعارض مع مقصد الإصلاح والشرع يطلب التبين قبل الحكم كما قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) ويطلب الحذر من الظن كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم) ويشدد في قطع الرحم (لا يدخل الجنة قاطع) ويرفع الإصلاح (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة إصلاح ذات البين).
    وبالعقل أيضًا أنت صادرت النوايا وجعلت الصمت مشاركة كاملة مع أن الصمت في الأسر قد يكون سترًا أو تهدئة أو خوفًا من انفجار أكبر والنبي صلى الله عليه وسلم قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) ولو أردتَ أن يكون النص أقرب للعدل لقلتَ إن الألم وقع ولكن تفسيره يحتاج وقائع ولقلتَ إن الخطأ قد يكون موزعًا ولقلتَ إن الإصلاح أولى من تحويل الخلاف إلى محكمة رأي عام.
    بهذا الشكل أنت تحافظ على إنسانية المرأة دون أن تظلم أسرة كاملة ودون أن تصنع في نفس القارئ قناعة خطيرة بأن طريق الحل الوحيد هو الإدانة والابتعاد والقطيعة.
    ومما جرت عليه العادة في المجتمع ويُشاهد والعرف أن الأسرة لا تنبذ فردًا منها إلا لسبب متكرر فلو عنونت مقالك بـ (الأسرة حين تؤدب أحد أفرادها) لكان أقرب للواقع وما تعارف عليه المجتمع.
    نشكر الكاتب على طرحه وحسن صياغته وإتاحة المجال للنقاش حول قضايا الأسرة وآثار الكلمة.
    كما نشكر صحيفة بصمة الإلكترونية على جهودها وتميزها في نشر المحتوى وإتاحة مساحة للرأي والرأي الآخر.

  2. وآخر ما يُقال — بلا عاطفة:
    ليس كل من خذلك قصد قتلك،
    وليس كل صمتٍ إعلان حرب،
    ولا كل إهمالٍ شهادة نفي لوجودك.

    والحكمة: أن يمسك العاقل الميزان، ولا يتمسك بالجرح .

  3. أشكر لكم قراءتكم المتأنية وتعليقكم المفصّل، وأقدّر ما تضمّنه من حرصٍ ظاهر على العدل والإصلاح، وهي قيمٌ لا يختلف عليها اثنان.

    أودّ فقط توضيح زاوية النظر التي كُتب منها المقال. لم يكن القصد توصيف واقعة بعينها، ولا إصدار حكمٍ جزافي على أسرة محددة، بل إدانة نمطٍ يتكرر حين يقع: نمط الإقصاء الصامت داخل بعض الأسر، ثم تبريره، ثم تحميل المتضرّر مسؤولية احتماله. النص لم يدّعِ الإحاطة بكل الملابسات، بل ركّز على الأثر النفسي حين تتراكم إشارات التهميش حتى تتحوّل إلى رسالة واضحة.

    أتفهّم الإشارة إلى ضرورة التبيّن وعدم مصادرة النوايا، وهو مبدأٌ شرعيّ وعقليّ معتبر. غير أن التحذير من التسرّع في الاتهام لا ينبغي أن يتحوّل — في المقابل — إلى تحفّظٍ دائم عن تسمية الألم باسمه حين يتكرّر ويستقرّ. فكما أن الظنّ المحرَّم مرفوض، فإن إنكار الظلم حين يظهر مرفوضٌ كذلك.

    أما عن اللغة العاطفية في المقال، فهي مقصودة بوصفها أداة تصويرٍ لأثر الإقصاء، لا أداة تحريضٍ على القطيعة. لم يكن الهدف تأجيج الخلاف، بل لفت النظر إلى أن بعض صور القسوة لا تكون صاخبة، بل هادئة، وأن أثرها قد يكون أعمق من ظاهرها.

    ولستُ أرى في الدعوة إلى الإصلاح تعارضًا مع كشف الخلل؛ بل إن الإصلاح الصادق يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، لا بتخفيف وقعها أو افتراض حسن النية في كل الأحوال. وإذا كان في النص حدّةٌ في التعبير، فهي حدّة موجّهة إلى الفعل حين يقع، لا إلى كل أسرة، ولا إلى كل خلاف.

    في النهاية، يظلّ باب المراجعة مفتوحًا للجميع، كاتبًا وقارئًا، فالأسرة قيمة كبرى، وحمايتها لا تكون بتقديس صورتها، بل بصيانة معناها: العدل، والرحمة، والإنصاف.

    أكرر شكري لكم على النقاش، فمثل هذه الحوارات — حين تُدار باحترام — تُغني الفكرة وتعمّقها، ولا تنتقص منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى