آدابمقالات

حين تتحدث الإنسانية بلغة الطب… حكاية وفاء من مركز السكري بجازان

جازان: حسن المهجري
صحيفة بصمة اون لاين

ليست كل المواقف الإنسانية تُكتب في التقارير الرسمية، ولا كل النجاحات تُقاس بالأرقام والإحصاءات؛ فهناك نجاحات تُصنع بصمت، وتُروى بامتنان، وتبقى خالدة في ذاكرة الناس لأنها لامست القلوب قبل تفاصيل الحياة.

وفي الميدان الصحي تحديدًا، تصبح الإنسانية جزءًا من العلاج، وتتحول الكلمة الطيبة إلى جرعة طمأنينة لا يقل أثرها عن الدواء.

رحلة بين القلق والطمأنينة

في صباح يوم هادئ، اصطحبتُ والدتي إلى مركز السكري والغدد الصماء، برفقة أخي الأكبر محمد بن عواجي المهجري، بعد رغبتها في مراجعة حالتها الصحية والاطمئنان على وضعها الطبي.

ورغم أن موعدها المحدد كان عند الساعة الثالثة عصرًا، فإن حرص الأبناء وقلقهم على الأم دفعانا إلى التوجه للمركز منذ ساعات الصباح الأولى؛ علّنا نجد ما يخفف عنها عناء الانتظار وتعب المرض.

قلق المرضى

كان القلق حاضرًا في ملامحها؛ فمرض السكري ليس مجرد أرقام تُقاس، بل رحلة يومية من الصبر والمتابعة والتعايش، يحتاج فيها المريض إلى الرعاية الطبية بقدر حاجته إلى الاحتواء الإنساني. وبين ازدحام المراجعين وترقب المواعيد، كنا نبحث عن شيء من الطمأنينة يسبق العلاج.

استقبال يليق بالإنسان

عند قسم الاستقبال، كان أول ما استوقفنا ذلك التعامل الراقي الذي يعكس جمال المهنة وأخلاقها.
هناك كان الأستاذ محسن خواجي، الذي استقبلنا بهدوء وابتسامة صادقة، موضحًا بكل مهنية أن الموعد الرسمي عند الساعة الثالثة عصرًا.

لكن ما ميّز الموقف لم يكن الالتزام بالإجراءات فحسب، بل حسّه الإنساني الذي سبق كل شيء.

عبارة اختصرت التعب

بادر الأستاذ محسن بالتواصل مع الطبيبة المعالجة، وذكر لها اسم الوالدة، فجاء الرد سريعًا يحمل دفئًا إنسانيًا يصعب وصفه: «الآن تدخل عليّ… هذه أعرفها».

في تلك اللحظة، لم تكن العبارة مجرد استثناء لموعد أو تسهيل لإجراء، بل رسالة رحمة اختصرت كثيرًا من التعب والقلق، وأشعرت والدتي بأنها محل تقدير واهتمام.

فبعض الكلمات الصادقة تملك قدرة عجيبة على مداواة النفس قبل الجسد.

طبّ بروح الرحمة

وحين دخلت الوالدة إلى العيادة، تجلت صورة أخرى من صور النبل المهني والإنساني في تعامل الدكتورة سمية أحمد، التي قدمت نموذجًا مشرّفًا للطبيب الذي يحمل رسالته بعلمه وقلبه معًا.

فقد استقبلت الحالة بكل اهتمام وهدوء، وتعاملت مع الوالدة بروح يغلب عليها اللطف والرحمة، وحرصت على الاستماع والمتابعة والتوضيح بعناية لافتة.

أثر لا يُنسى

لم يكن تعاملها أداءً وظيفيًا تقليديًا، بل ممارسة حقيقية لمعنى الطب الإنساني؛ ذلك الطب الذي لا يكتفي بتشخيص المرض، بل يدرك أثر الكلمة الطيبة والاهتمام الصادق في نفس المريض.

ومن النادر أن ينسى الإنسان من أشعره بالطمأنينة في وقت القلق، أو خفف عنه مشقة المرض بابتسامة صادقة وتعامل راقٍ.

رسالة قبل الوظيفة

شعرنا في تلك اللحظات أن المهنة حين تُمارس بإخلاص تتحول إلى رسالة سامية، وأن الطبيب الحقيقي لا يُقاس بمهارته العلمية وحدها، بل أيضًا بقدرته على احتواء المرضى ومنحهم الأمل والراحة النفسية.

بيئة تصنع الفرق

ما لمسناه داخل مركز السكري والغدد الصماء لم يكن موقفًا عابرًا، بل انعكاسًا لبيئة عمل متكاملة تقوم على الاحترام والإنسانية وجودة الخدمة.

فنجاح المؤسسات الصحية لا يتحقق بالأجهزة الحديثة وحدها، بل يبدأ من الإنسان الذي يقف خلف هذه المنظومة، من موظف الاستقبال حتى الطبيب والإدارة.

قيادة نحو التميز

ويأتي هذا التميز امتدادًا للجهود التي يقودها مدير مركز السكري والغدد الصماء الدكتور تركي الجهني، الذي يعمل على تطوير الخدمات الصحية وتعزيز جودة الرعاية المقدمة للمراجعين، عبر بيئة مهنية تجمع بين الكفاءة الطبية والاهتمام الإنساني.

دعم إداري مستمر

كما يُسجل التقدير لإدارة مستشفى جازان العام الدكتور علي الأحمري، نظير ما يشهده المركز من اهتمام واضح بتطوير الخدمات الصحية والارتقاء بتجربة المريض، بما يعكس حجم التحول الذي يشهده القطاع الصحي في جازان.

الإنسانية أولًا

أجمل ما في المواقف الإنسانية أنها تبقى أطول من الزمن، لأنها تولد من قلوب صادقة تؤمن بأن الرحمة ليست أمرًا إضافيًا في العمل، بل جزء أصيل من رسالته.

فهناك من يؤدي وظيفته، وهناك من يصنع أثرًا لا يُنسى.

امتنان لا ينتهي

في ختام هذه التجربة، خرجنا من المركز ونحن نحمل تقديرًا عميقًا لكل من كان جزءًا من هذا الموقف الإنساني الجميل؛ للأستاذ محسن خواجي الذي قدم صورة مشرقة لحسن الاستقبال، وللدكتورة سمية أحمد التي منحت والدتي رعاية يملؤها الاهتمام والرحمة، وللإدارة التي صنعت بيئة صحية تستحق الإشادة.

أثر يبقى في القلوب

فهؤلاء لا يكتفون بعلاج المرض، بل يزرعون الطمأنينة في القلوب، ويمنحون المرضى وذويهم شعورًا بأن الإنسانية ما زالت بخير، وأن المهنة حين تُمارس بصدق تتحول إلى رسالة وفاء ورحمة وأثر خالد لا يُنسى.

حين تتحدث الإنسانية بلغة الطب… حكاية وفاء من مركز السكري بجازان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى