
يبدأُها برعشةِ بذرةٍ صغيرة، ثم يمضي نحو الضوء وكأنّه يعرفُ منذ البداية أنّ الجمالَ رسالته.
فالوردُ لا يعيشُ لنفسه، بل ليمنح العالم شيئًا من اللطف، وشيئًا من الطمأنينة، وشيئًا من الحبّ الصامت.
لكلِّ وردةٍ لونٌ يُشبهُ شعورًا؛
فالأحمرُ قلبٌ يخفقُ بالعشق،
والأبيضُ روحٌ نقية لا تعرفُ سوى السلام،
والأصفرُ شمسٌ صغيرة تُوزّع البهجة،
أما الورديّ فكأنّه حياءُ المشاعر حين تتكلمُ بهدوء.
وللوردِ لغةٌ لا تحتاجُ إلى حروف…
فوردةٌ واحدة قد تقول:
“أنا أتذكّرك”،
وقد تعني:
“اشتقتُ إليك”،
وقد تكونُ اعتذارًا رقيقًا أو دعاءً صامتًا أو وعدًا لا يُقال.
أما عبيرُه…
فهو الذاكرةُ التي لا تُرى.
كم من عطرِ وردةٍ أعادَ إلينا أشخاصًا غابوا، وأيامًا رحلت، ومشاعرَ حسبنا أنّها انتهت.
بعض الروائح لا تمرُّ على الأنف فقط، بل تمرُّ على القلب مباشرةً.
والوردُ يُشبهُ البشرَ الجميلين؛
لا يرفعُ صوتهُ ليُلفتَ الانتباه،
يكفيه أن يكونَ حاضرًا… فيُغيّر المكان.
وقال الشاعرُ في الورد:
يا وردُ يا لغةَ الجمالِ إذا سرى
عطرُ المحبّةِ في المدى يتنزّلُ
ما كنتَ إلا بسمةً ربّانيةً
فيها منَ الإحساسِ نورٌ يُشعلُ
تهدي القلوبَ إذا تضايقَ نبضُها
وكأنّكَ للروحِ بابٌ أجملُ
ولأنّ الوردَ سريعُ الذبول، فهو يُعلّمنا شيئًا عجيبًا…
أنَّ الجمالَ الحقيقي لا يُقاسُ بطولِ بقائه، بل بالأثرِ الذي يتركهُ قبل أن يرحل.



