مقالات

مدرجات فيفاء.. حين يحوّل الإنسان الجبل إلى حياة

بقلم الباحث – علي احمد العبدلي
صحيفة بصمة اون لاين

في جنوب غرب المملكة العربية السعودية، وتحديدًا في أعالي فيفاء، يقف الزائر أمام مشهد استثنائي؛ جبال شاهقة تلتف حول بعضها، تتدرج على تضاريسها آلاف المدرجات الزراعية، كأنها لوحة خضراء رسمها الإنسان عبر القرون.

مدرجات فيفاء.. حين يحوّل الإنسان الجبل إلى حياة

هذه المدرجات ليست مجرد حقول زراعية، بل حكاية صمود طويلة، سطرها الإنسان في مواجهة طبيعة قاسية، حيث الارتفاعات التي تلامس 2000 متر، والانحدارات الحادة، والصخور الصلبة التي لا تمنح التربة فرصة للاستقرار.

مدرجات فيفاء.. حين يحوّل الإنسان الجبل إلى حياة

حيث كانت المدرجات ضرورة لا خيارًا

في مثل هذه البيئة، لم يكن أمام الإنسان خيار سوى الابتكار. فأنشأ المدرجات الزراعية لتثبيت التربة ومنع انجرافها، محولًا الجبال الوعرة إلى أراضٍ خصبة. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه المدرجات شبكة متكاملة، يتدفق الماء بينها بانسيابية من الأعلى إلى الأسفل، في نظام دقيق يعكس فهمًا عميقًا للطبيعة.

مدرجات فيفاء.. حين يحوّل الإنسان الجبل إلى حياة

جبلٌ بكامله مزرعة

تشير الروايات المحلية والمعطيات التاريخية والواقع المشاهد إلى أن مدرجات فيفاء لم تقتصر على السفوح فحسب، بل امتدت لتشمل المنحدرات الحادة والشعاب الجبلية، في استغلال شبه كامل لكل ما يمكن تهيئته للزراعة، باستثناء التكوينات الصخرية الصماء.

مدرجات فيفاء.. حين يحوّل الإنسان الجبل إلى حياة

حتى بدا الجبل في زمنٍ مضى وكأنه مزرعة متصلة واحدة، تتكامل فيها المدرجات لتغطي معظم تضاريسه، وهو ما يمنح فيفاء مكانة استثنائية بين مناطق المملكة العربية السعودية من حيث كثافة وانتشار هذا النمط الزراعي.

مناخ يصنع الحياة

مدرجات فيفاء.. حين يحوّل الإنسان الجبل إلى حياة

يلعب ارتفاع فيفاء دورًا محوريًا في تشكيل مناخها؛ فالأمطار أكثر غزارة، والجو أكثر اعتدالًا مقارنة بالمناطق المنخفضة، ما جعلها بيئة مثالية للزراعة. لكن هذه النعمة كانت تحتاج إلى إدارة ذكية، فصمم الأهالي مدرجاتهم بطريقة تضمن الاستفادة القصوى من مياه الأمطار دون أن تتحول إلى خطر يهدد التربة.

البن.. حكاية عشق الجبل

من بين المحاصيل التي ازدهرت في هذه المدرجات، يبرز البن كرمز اقتصادي وثقافي. فقد وجد فيفاء بيئة مثالية للنمو، وأنتج سلالات ذات جودة عالية تضاهي أشهر أنواع القهوة عالميًا.

وإلى جانب البن، تنتشر زراعة الحبوب كالدخن والذرة، والبقوليات، إضافة إلى أشجار الفاكهة التي تتنوع حسب الارتفاع والمناخ.

حياة على حافة الجبل

الحياة في فيفاء لم تكن سهلة يومًا. فالمزارعون يقضون ساعات طويلة في العمل بين المدرجات، مستخدمين أدوات بسيطة، معتمدين على التعاون الجماعي في الزراعة والحصاد، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي في هذه البيئة الجبلية.

مدرجات تتآكل… وذاكرة مهددة

رغم هذا الإرث العظيم، تواجه مدرجات فيفاء اليوم تحديات حقيقية؛ فالهجرة إلى المدن، والتوسع العمراني، والإهمال، كلها عوامل أدت إلى تراجع الزراعة وانهيار بعض المدرجات.

بين الماضي والمستقبل

ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة لإحياء هذا الإرث، خاصة في ظل توجهات التنمية الحديثة المرتبطة بـ رؤية السعودية 2030، التي تدعم الزراعة المستدامة وتشجع على استثمار الموارد المحلية.

أكثر من مجرد زراعة

لم تعد مدرجات فيفاء مجرد وسيلة للعيش، بل تحولت إلى رمز حضاري يعكس قدرة الإنسان على التكيف والإبداع. إنها دليل حي على أن الإرادة قادرة على تحويل أقسى البيئات إلى مصدر للحياة.

وفي زمن تتسارع فيه التغيرات، تبقى هذه المدرجات رسالة صامتة للأجيال القادمة:

أن الجبل الذي زرعه الأجداد… لا ينبغي أن يُترك صامتًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى