نحن بحاجة إلى معلمة

صَالِح الرِّيمِي – صحيفة بصمة أون لاين
الزوجة الصالحة والأم الواعية ليستا مجرد فردين في الأسرة، بل هما مدرسة تُخرِّج أجيالًا تحمل الخير والرحمة والقيم النبيلة، لذا لا تستهينوا بتربية الأبناء، فربَّ كلمةٍ غرستها أمٌّ في قلب طفلها، صنعت إنسانًا نافعًا، وربَّ موقفٍ صغيرٍ صدر من طفلٍ مهذّب، غيّر حياة معلّمٍ أو مربي، فالأطفال ثمرة غرس آبائهم وأمهاتهم، وما نزرعه اليوم في قلوبهم نحصد أثره غدًا في المجتمع كله ..
تقول إحدى المعلمات دخلت الفصل في ذلك الصباح وأنا مثقلةً بما أحمله من ضغوط الحياة، وأجرّ خلفي همومًا لم يكن للأطفال ذنب فيها، أغلقتُ الباب، ووقفت أمام التلاميذ بوجهٍ عابس وقلبٍ مثقل، ثم بدأتُ أفرغ ما بداخلي من غضب في وجوه صغيرة جاءت تبحث عن العلم والأمان.
كان من نسي واجبه ينال نصيبًا من التوبيخ، وربما أكثر من ذلك، وفجأة وقع بصري على طفلٍ مستندٍ إلى مقعده وكأنه يحاول الاختباء من العالم، اقتربت منه وسألته بحدّة: أين واجبك؟ ارتجف صوته وهو يجيب: نسيتُه، والله نسيتُه، وفي لحظة غضبٍ عابرة، حمّلته ما لا يحتمل، دون أن أعرف شيئًا عن قصته ..
وبينما أنا كذلك، شعرت بيدٍ صغيرة تشد طرف ثوبي، التفتُّ فإذا بطفلٍ يطلب مني أن أنحني قليلًا لأسمعه، خرجت معه إلى خارج الفصل وأنا أظن أن الأمر لا يعدو شكوى طفولية عابرة، لكنني هناك تلقيت درسًا لم أنسه ما حييت.
قال الطفل بصوتٍ هادئ وملامح يملؤها الصدق: “يا معلمتي، نحن نحبك كثيرًا، لكن أحمد الذي غضبتِ عليه يتيم، ووالدته تضربه كلما أخطأ لأنها تظن أن الضرب تربية، لذلك أصبح كثير النسيان، يخاف من كل شيء، ويظن أن العالم كله سيؤذيه إذا أخطأ” ..
ثم أردف قائلًا: “نحن بحاجة إلى معلمة تكون لنا أمًّا قبل أن تكون معلّمة، تترك حزنها خارج الباب، وتدخل إلينا بقلبها”، وقفت مدهوشة أمام كلمات أكبر من عمر قائلها. ثم سألته:
ومن علمك كل هذا يا بني؟
ابتسم وقال: “أمي، كانت تقول لي دائمًا: لا تعرف ظروف الناس، فلا تحكم عليهم بسرعة، وإذا رأيت حزينًا فكن له رحمة، وإذا رأيت مخطئًا فكن له عذرًا”.
ثم نظر إليّ بعينين بريئتين وقال: “أظنك حزينة اليوم، ولذلك غضبتِ منا، أنا آسف إن كان أحد قد أحزنك”، في تلك اللحظة شعرت أنني أنا الطفلة، وأنه هو المعلم الحقيقي، وحين سألته كيف أعتذر لصديقه، قال ببساطة: “اشترِي له قطعة شوكولاتة يحبها، وإن سامحك فاستغفري الله كثيرًا” ..
ثم أخذ يحدثني عن الجنة كما كانت أمه تصفها له، وعن النخيل الذي سيغرسه الله للذاكرين، وعن الرحمة التي ينبغي أن تملأ القلوب، خرجت من ذلك الموقف وأنا أحمل في داخلي سؤالًا واحدًا: هل ما زالت هناك أمهات يصنعن هذا الجمال؟
مرت الأعوام، وذابت السنوات كما يذوب الثلج تحت شمس الزمن، وفي أحد الأيام، وجدت شابًا أنيقًا يقف أمامي ويقول مبتسمًا: أستاذة، ألا تذكرينني؟ أنا أنس، تأملت ملامحه طويلًا حتى عادت إليّ صورة ذلك الطفل الصغير الذي علمني يومًا معنى الرحمة، ثم أخبرتني والدته، بكل تواضع، أن أنس أصبح معيدًا في كلية طب الأسنان ..
لم أتمالك دموعي، فقلت لها: “لا تشكريني على شيء، الحقيقة أن ابنك هو من علمني درسًا غير حياتي كلها، لقد جعلني أراجع نفسي، وأفهم أن التربية ليست كلمات تُقال، بل أخلاق تُعاش”، ثم نظرت إليها وقلت: “أنتِ من تستحقين الشكر، فأمثالك لا يربون أبناءهم فقط، بل يربّون مجتمعًا بأكمله”، انتهت القصة ولم ينته الكلام.
ترويقة:
لا تستهينوا بدور الأم، ولا تقللوا من شأن المرأة التي تبني أبناءها على الرحمة والخلق الحسن، فقد تصنع كلمةٌ تزرعها أمٌّ في قلب طفلها إنسانًا يُصلح حياة آخرين، وقد يمتد أثر تلك الكلمة سنوات طويلة بعد أن تُنسى تفاصيلها ..
فالأم الصالحة ليست مجرد راعية لأسرتها، بل هي مهندسة المستقبل، وصانعة الأجيال، وأول مدرسةٍ يتعلم فيها الإنسان معنى الرحمة والخير والجمال.
ومضة:
إن الكلمة اللطيفة قد تغيّر إنسانًا وتصحح مسار حياة كاملة، وإن التربية ليست إعداد طفلٍ ليعيش فقط، بل إعداد جيلٍ يُصلح الحياة من حوله، والمعلم لا يقتصر دوره على التعليم، بل هو مربٍّ وصانع للأثر.
كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك
- ما زال في القلب متسع للحلم -2
- العبدلي يحتفل بزواجه في جدة وسط حضور الأهل والأصدقاء
- مركز التراث الثقافي بجازان يحيي ذاكرة الأجداد عبر فعالية “أدوات الماضي”
- نحن بحاجة إلى معلمة
- صلة الأرحام وجمال اللقاء



