بين ستار الخصوصية وظلّ الخباثة

د . مصلح البركات
في زمنٍ أصبحت فيه الخصوصية حقًا أصيلًا لا ينازع، وفضيلةً اجتماعية تحمي الفرد من تطفّل الآخرين، برزت في المقابل ظاهرةٌ مقلقة؛ إذ تحوّل هذا الحق النبيل عند بعض الناس إلى ستارٍ كثيف يُخفون خلفه مقاصدهم الملتوية، ويستترون به عن المحاسبة والمصارحة. فليس كل من قال: “هذا شأني الخاص” كان صادق النية، ولا كل من احتمى بجدار الخصوصية كان حريصًا على كرامته بقدر حرصه على تمرير ما لا يُراد له أن يُكشف.
الخصوصية في أصلها وعيٌ وحدود، واحترامٌ للمسافة التي تفصل بين الذات والآخرين. هي أن تعرف ما تُظهر وما تُبقي، وأن تدرك أن حياتك ليست مشاعًا للفضول العام. غير أن الخباثة تسلك المسار ذاته في الظاهر، لكنها تختلف في الجوهر؛ فهي تُغلّف النية بعبارة أنيقة، وتُلبس السلوك ثوب التحفّظ، بينما تُضمر غير ما تُعلن.
كم من قرارٍ إداريٍّ أُغلق باب النقاش فيه بدعوى “الخصوصية”، وهو في حقيقته تهرّبٌ من الشفافية. وكم من علاقةٍ إنسانيةٍ تصدّعت لأن أحد أطرافها احتمى بالصمت، لا لحرصٍ على الستر، بل لتغذية سوء الظن وإدارة المشهد من خلف الكواليس. إن الفارق بين الخصوصية والخباثة ليس في الكلمات، بل في النيات التي تسكنها، وفي الأثر الذي تتركه على الآخرين.
الإنسان النقيّ حين يقول: “لا أرغب في الخوض في هذا”، يكون صريحًا في حدوده، واضحًا في موقفه، لا يترك خلفه ظلالًا ولا يزرع في القلوب تساؤلات. أما الخبيث فيُكثر من العبارات الملتبسة، ويُجيد صناعة الغموض، ويجعل من التكتم أداةً للضغط أو الإرباك أو التلاعب. هو لا يكتفي بالصمت، بل يوظّفه.
ولعلّ أخطر ما في الأمر أن الخباثة المتخفية في ثوب الخصوصية تُربك ميزان الثقة في المجتمع؛ إذ تجعل الناس يتوجسون من كل تحفّظ، ويشكّون في كل صمت، فتختلط القيم، ويضيع الحدّ الفاصل بين الحياء المشروع والمكر المقنّع. وحين يختلط الحق بالباطل في المفاهيم، تبدأ العلاقات بالتآكل من الداخل.
إن المجتمع الصحيّ لا يُطالب أفراده بكشف كل شيء، لكنه يطالبهم بوضوح النية وسلامة القصد. الخصوصية حق، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مظلّةٍ للغموض المقصود، ولا إلى أداةٍ لتمرير الأذى دون مساءلة. وبين أن تحفظ لنفسك مساحتك، وأن تُخفي وراءها ما لا يُقال، شعرةٌ دقيقة اسمها الضمير.
وفي النهاية، سيبقى الناس بين من يصون خصوصيته بصدق، ومن يُتقن لعبة الظلال. غير أن الزمن، بما فيه من مواقف واختبارات، كفيل بأن يُسقط الأقنعة، ويكشف أن ما كان يُسمّى خصوصيةً لم يكن سوى خباثةٍ تنتظر لحظة انكشافها.
- من فكرة إلى كيان مؤثر… نجوم السياحة ترسّخ حضورها بقوة وتحقق تحولًا نوعيًا في عامٍ واحد..
- وفاة ناجعة الفيفي بمنطقة تبوك
- انطلاق “الجامعية لألعاب القوى” بالطائف.. ونجوم اليوم الأول يلمعون
- الكلمة أمانة
- انطلاق بطولة الجامعات لألعاب القوى بالطائف




بورك قلمك النابض بحرف الحكمة وجمال الكلمة ،،،
د. مصلح ..بات المجتمع في هوس الخصوصية خوفًا من ظهور الحقائق التي تُزيل الاقنعة عن وجوه تبتسم أمامك وتُخفي عن الآخرين أشياء لايعلمها إلا الله. كفانا الله وإياكم السوء.