مقالات

المال لا يصنع شيخًا…حين يزاحم الطارئون إرث المشيخة

د. مصلح البركات
صحيفة بصمة أون لاين

في المجتمعات القبلية الأصيلة، لم تكن الشياخة يومًا لقبًا يُمنح لمن يملك المال، ولا واجهة اجتماعية يتصدر بها من كثرت حوله المجالس.

الشياخة في معناها الحقيقي إرث من المسؤولية، ومكانة صاغها التاريخ، ورسخها العرف، وأثبتتها مواقف الرجال عبر عقود طويلة من خدمة الناس وحفظ حقوقهم ولمّ الشمل بينهم.

شيخ القبيلة ليس مجرد اسم يُذكر في المناسبات، بل هو قيمة اجتماعية متجذرة، ورمز لمرجعية تستند إلى القبول العام، والبيت المعروف، والسيرة التي تشهد لها الأجيال.

لقد كان الشيخ على الدوام صمام أمان للمجتمع؛ يصلح بين المتخاصمين، ويقف مع المحتاج، ويقود الناس في القضايا العامة، ويجسد صورة القيادة التي تبنى على الحكمة لا على المظاهر.

غير أن ما يُلاحظ في بعض المجتمعات اليوم، أن المال بدأ يتسلل إلى مساحة كانت محفوظة للعُرف والتاريخ. فظهر من يعتقد أن الثراء وحده كفيل بصناعة المكانة، وأن البذخ في الولائم أو الدعم المالي للمناسبات يمنحه حق التقدم على أهل الشياخة والتحدث باسم القبيلة.

ومع مرور الوقت، أفرز هذا المشهد شخصيات تتصدر المجالس وتُقدَّم على أنها شيوخ، بينما لا تستند إلى عرف قبلي، ولا إلى بيت مشيخة معروف، ولا إلى إرث اجتماعي يقر به الناس.

لا أحد ينكر فضل المال، ولا قيمة من سخّر رزقه في خدمة مجتمعه، فصاحب الخير محل تقدير واحترام. لكن المشكلة تبدأ حين يختلط دور الداعم بدور القائد، وحين يُظن أن النفوذ المالي يمكن أن يختصر تاريخًا طويلًا من الشرعية الاجتماعية.

فالشياخة ليست مشروعًا شخصيًا، ولا منصبًا يُنتزع بالإنفاق، بل مكانة يمنحها المجتمع وفق أعرافه، ويحفظها التاريخ بما قدمه بيت المشيخة من مواقف ومسؤوليات.

المال قد يفتح الأبواب، لكنه لا يفتح القلوب. وقد يجمع الناس حول مائدة، لكنه لا يصنع إجماعًا على قيادة. أما الشيخ الحقيقي، فمكانته لا تُقاس بما يملك، بل بما يمثله من ثقة، وما يحمله من إرث، وما يؤديه من دور في حفظ تماسك القبيلة وبناء الإنسان قبل المكان.

حين تُختزل الشياخة في مظاهر الثراء، فإن المجتمع لا يخسر لقبًا فحسب، بل يفقد ميزانًا اجتماعيًا ظل لعقود يحفظ هيبته وتماسكه. ومن هنا، تبقى مسؤولية أبناء القبيلة في التمييز بين من يخدم المجتمع بماله، وبين من يحمل حقًا مسؤولية القيادة بعرفها وتاريخها، لأن المال نعمة، لكنه لا يصنع شيخًا، كما أن التاريخ لا يُشترى.

تعليق واحد

  1. المال لا يصنع شيخًا.. والتاريخ لا يكفي أيضًا

    قرأتُ ما كتبه الدكتور مصلح البركات في صحيفة بصمة أون لاين، فوجدتُ فيه قلمًا أنيقًا، وفكرة نبيلة، وحرصًا صادقًا على قيم الشياخة التي نحبها جميعًا ونخشى عليها. وما كان لي أن أعقّب لولا أن الأمانة الفكرية تقتضي أن يُكمل بعضنا بعضًا، فلا يكون الحوار مدحًا خاليًا، ولا نقدًا جارحًا، بل إضافةً تبني على ما بنى.
    يقول الدكتور البركات، وهو محق فيما يقول، إن المال لا يصنع شيخًا، وإن الشياخة مكانة يمنحها المجتمع وفق أعرافه، وإن التاريخ لا يُشترى. وهذه حقيقة لا جدال فيها، وكلام يُكتب بماء الذهب. غير أنني وجدتُ في المقال جانبًا لم يُكمله الكاتب، وهو يعلمه جيدًا لو تأملنا قليلًا في واقعنا.
    فإذا كان المال وحده لا يصنع شيخًا، فكذلك النسب وحده لا يصنع قائدًا. وإذا كان البذخ في الولائم لا يمنح أحدًا شرعية القيادة، فكذلك شجرة النسب الطويلة لا تكفي حين يكون صاحبها عاجزًا عن لمّ الشمل أو فاقدًا للحكمة.
    ولعل أعدل ما يُقال هو أن الشياخة الحقيقية لا تُولد من رحم المال وحده، ولا من رحم النسب وحده، بل من رحم الموقف حين يشتد الأمر. فكم من بيت مشيخة عريق خذل قبيلته في ساعة الجد، وكم من رجل لا تعرف له القبيلة نسبًا مشيخيًا إلا أنه قاد وأصلح وبنى، فاكتسب من احترام الناس ما لم يكتسبه أصحاب الأنساب الكريمة.
    يقول الكاتب الكريم إن المال قد يجمع الناس حول مائدة لكنه لا يصنع إجماعًا على قيادة. وهذا صحيح. لكنني أُضيف: وكذلك الإرث القبلي قد يُجلس أحدهم في صدر المجلس، لكنه لا يجعله في صدر القلوب. فالإجماع الحقيقي لا يصنعه المال، ولا يصنعه النسب، بل يصنعه الرجل بنفسه، بعدله وحكمته وحضوره في لحظات الناس الصعبة.
    وهنا لبّ ما أودّ قوله: إن الخطر الذي نبّه إليه الدكتور البركات من تسلل المال إلى مساحة الشياخة خطرٌ حقيقي لا يُنكر. بيد أن ثمة خطرًا موازيًا لم يُشر إليه الكاتب، وهو تكلّس بعض بيوت المشيخة على تاريخها دون أن تجدد نفسها، واكتفاؤها بالإرث ورقةً تلوّح بها حين تُطعن مكانتها، بينما واقع خدمتها للناس لا يسمن ولا يُغني من جوع.
    فكما أن الثري الذي يشتري المكانة ظاهرة مقلقة، فكذلك وريث الشياخة الذي يرث اللقب دون أن يرث معه الهمّ والمسؤولية ظاهرة لا تقل إثارة للقلق.
    وخلاصة القول، ومنها أُغادر هذه الصفحة تاركًا للقارئ الكريم حرية الحكم: الشياخة الراسخة هي التي تجمع شرف النسب وصدق الخدمة معًا. فحين يلتقيان في رجل واحد، فتلك نعمة قلّ نظيرها. وحين يفترقان، فإن صدق الخدمة أجدر بالقبول من مجرد شرف النسب العاطل عن العطاء.
    والمال نعمة حين وُجّه لخدمة الناس لا لاستعباد القلوب، والنسب شرف حين كان دافعًا للعطاء لا وسيلة لاحتكار المكانة. وما بين هذا وذاك يكمن الشيخ الحقيقي الذي نبحث عنه جميعًا.

    ردٌّ بالقلم لمن يحترم القلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى