مقالات

قمة جدة… من مضيق هرمز إلى سكك الخليج

د. خالد محمد باطرفي

جاء البيان الختامي للقمة الخليجية الطارئة التي استضافتها جدة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الثلاثاء ٢٨ أبريل الجاري، ليؤكد أن دول مجلس التعاون الخليجي انتقلت من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المواقف، ومن ردود الفعل إلى بناء استراتيجية جماعية متماسكة لمواجهة التهديدات الإقليمية المتسارعة.

فالمنطقة تمر بمنعطف بالغ الحساسية، في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق، واعتداءات إيرانية استهدفت دول الخليج والأردن، وهددت منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية، فضلاً عن محاولات المساس بأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة الدولية. ومن هنا جاءت القمة في توقيتها الحاسم، لتعكس إدراكاً خليجياً مشتركاً بأن التحديات الراهنة لم تعد تحتمل التردد، وأن أمن الخليج لم يعد شأناً فرديا، بل قضية مصير جماعي.

البيان حمل رسائل سياسية وأمنية واقتصادية شديدة الوضوح. فمن الناحية السياسية، أكد القادة ضرورة إيجاد مسار دبلوماسي ينهي الأزمة ويعالج مصادر القلق ويعزز الاستقرار، في رسالة تؤكد أن دول الخليج ليست دعاة حرب، لكنها أيضاً ليست مستعدة للقبول بسياسة فرض الأمر الواقع أو الابتزاز الأمني.

وفي الوقت ذاته، جاء التأكيد على تراجع الثقة مع إيران، والمطالبة بخطوات جادة لإعادة بنائها، تعبيراً عن موقف واقعي يستند إلى التجربة، لا إلى الأمنيات. فالثقة لا تُمنح مجاناً، وإنما تُبنى بالأفعال والالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول.

أما على الصعيد الأمني، فقد حمل البيان لهجة حازمة بإدانته الشديدة للاعتداءات الإيرانية على المنشآت المدنية والبنية التحتية، واعتبارها انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، مع تأكيد حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها فردياً وجماعياً وفق ميثاق الأمم المتحدة، والتشديد على أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على دولة منها يُعد اعتداءً على الجميع.

هذه الرسالة في غاية الأهمية، لأنها ترسخ عملياً مفهوم الدفاع الخليجي المشترك، وتؤسس لمرحلة جديدة من التكامل العسكري، خاصة مع التوجيه بالإسراع في تنفيذ منظومة الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية، وتعزيز التكامل العسكري الخليجي، والإشادة بكفاءة وجاهزية القوات المسلحة الخليجية في التصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

اقتصادياً، جاء البيان ليطمئن الأسواق العالمية، عبر التأكيد على قدرة دول الخليج على تجاوز الأزمة وإعادة تأهيل منشآت الطاقة بسرعة وكفاءة، والحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة ومعالجة اضطرابات سلاسل الإمداد. وهي رسالة للعالم بأن الخليج، رغم الاستهداف، ما زال شريان الطاقة الأكثر موثوقية.

وفي ملف الملاحة الدولية، جاء الرفض القاطع لإغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة أو فرض رسوم على عبور السفن، والتأكيد على ضرورة استعادة حرية الملاحة فيه كما كانت قبل 28 فبراير 2026، ليؤكد أن الخليج لن يقبل بقرصنة الممرات البحرية أو تحويلها إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي.

ومن أهم ما في البيان، أنه لم يقتصر على إدارة الأزمة الآنية، بل نظر إلى المستقبل عبر تسريع تنفيذ المشاريع الخليجية المشتركة، وفي مقدمتها مشروع سكك الحديد الخليجية، والربط الكهربائي، ومشاريع أنابيب النفط والغاز، والربط المائي، والمخزون الاستراتيجي، وتطوير النقل واللوجستيات والطرق والموانئ.

هذه المشاريع ليست مجرد خطط تنموية، بل أدوات استراتيجية لتقليل المخاطر، وتوسيع البدائل، وتعزيز المرونة في مواجهة أي طارئ. فتكامل المنظومة الكهربائية والمائية والخزن الاستراتيجي والإنذار المبكر والسكك الحديدية والطرق والموانئ، يعني عملياً بناء شبكة أمان خليجية متكاملة.

والأهم من كل ذلك، أن دول الخليج تحدثت هذه المرة بصوت واحد، وعلى قلب رجل واحد، أمام العالم. وهذا التوحد السياسي يمنح الموقف الخليجي صدى وتأثيراً أكبر في المحافل الدولية، ويمهد لاحقاً للحصول على قرارات أممية تدين المعتدي، وتعاقب المتسبب، وتعوض المتضرر.

إن قمة جدة تمثل خطوة كبيرة في وقت قصير، لكنها قامت على أرض أكثر صلابة، بفضل قيادة سعودية واعية، وتحرك سريع، ورؤية استراتيجية تدرك أن الأمن لم يعد عسكرياً فقط، بل اقتصادي ولوجستي ومائي وغذائي وتقني أيضاً.

إنها لحظة فارقة في مسيرة التكامل الخليجي… ورسالة واضحة بأن الخليج العربي لن يُستدرج إلى حرب لا يريدها، لكنه لن يقبل في الوقت ذاته بالتهديدات الوجودية، ولا بابتزاز الممرات، ولا بمن أفقد نفسه الثقة.

قمة جدة لم تكن مجرد اجتماع طارئ… بل كانت إعلاناً عن ولادة مرحلة خليجية أكثر تماسكاً وقوة وتأثيراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى