آداب

كريمُ النفسِ إن أكرمتَهُ بوردةٍ زرعَ شجرةً في بستانك

صحيفة بصمة اون لاين - عبدالله شراحيلي

هناك أرواحٌ لا تُقاس بما تأخذ، بل بما تُعطي. نفوسٌ كريمة إذا لامستها لفتةُ تقديرٍ بسيطة، ردّت عليك فيضًا من المعروف لا يُحصى. هؤلاء لا ينتظرون المقابل، لكنهم إذا أُحسن إليهم، أحسنوا أضعافًا؛ لأن الكرم فيهم طبعٌ أصيل، لا موقفٌ عابر.

حين تُهدي كريمَ النفس وردةً، فأنت لا تقدّم له شيئًا ماديًا فحسب، بل تطرق باب قلبه بلطف. وهو بدوره لا يردّ الوردة بوردة، بل يغرس شجرةً في بستانك؛ شجرةً من الوفاء، تثمر مواقف، وتُظلّل أيامك حين تشتدّ شمس الحياة. ذلك لأن الكريم يرى في الإحسان لغةً راقية، فيُجيد الردّ عليها بلغةٍ أعمق وأبقى.


كريم النفس لا ينسى الجميل، ولو كان صغيرًا. يختزن المعروف في ذاكرتهَ كما تُختزن الذكريات العزيزة، ويبحث عن الفرص ليعيده بصورةٍ أجمل. قد لا يردّ عليك في اللحظة نفسها، لكنه يردّ حين تحتاج، وبما يفوق توقعك.َ وكأنّه يقول: “الإحسان الذي وصلني، لا بد أن يمتد أثره”.


وفي عالمٍ تتسارع فيه المصالح، وتضيق فيه مساحات الامتنان، يبقى كريم النفس عملةً نادرة. وجوده يذكّرنا بأن القيم لا تزال حيّة، وأن الخير لا يضيع، بل يتكاثر حين يقع في يدٍ تعرف قدره. لذلك، لا تتردد في أن تزرع وردةً في طريق أحدهم، فربما تصادف قلبًا كريمًا، فيحوّل وردتك إلى بستانٍ من العطاء.


إن أجمل ما في الكرم أنه لا يُقاس بحجم ما نُقدّم، بل بصدق النية التي نحملها. فرب كلمة طيبة، أو موقف بسيط، أو التفاتة صادقة، تكون بذرةً لشجرةٍ وارفة من العلاقات الإنسانية النبيلة. وكريم النفس هو ذلك الذي يُحسن السقي، ويجعل من هذه البذور حياةً تُثمر في القلوب.


فلنكن ممن يُحسنون العطاء، لا انتظارًا للرد، بل إيمانًا بأن الخير يعود بطريقته الخاصة. وإذا صادفنا كريم نفس، فلنحفظه كما تُحفظ الكنوز، لأن وجوده في حياتنا نعمة، وردّه الجميل بركة تمتد أثرها في كل اتجاه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى