آدابمقالات

اغتيال السيرة بين الظلم والعدل

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

من أخطر ما يبتلى به الإنسان أن يُحاكَم لا بما ثبت من أفعاله، بل بما يُروى عنه عند أول خلاف. فالتاريخ الطويل من الاستقامة قد يُمحى بخبرٍ عابر، والسمعة المتراكمة قد تُنسف برواية واحدة، لا لثبوتها، بل لأنها جاءت في توقيتٍ يخدم هوى أو مصلحة.

وكثيرًا ما يبدأ هذا الانقلاب من موضعٍ لم يكن متوقّعًا؛ من ثناءٍ سابقٍ تحوّل فجأة إلى إدانة، لا لأن الحقيقة تبدّلت، بل لأن العلاقة تغيّرت. وهنا يتبيّن أن بعض المديح لم يكن اعترافًا بالفضل، بل انعكاسًا لموقعٍ أو توافقٍ مؤقّت، فإذا زال الموقع، زالت معه الصفات.

ومع أن الميزان الرباني واضح في قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ {الحجرات:6}.

إلا أن هذا الأصل كثيرًا ما يُعطَّل حين تتقاطع الأهواء مع السمعة، وتشتبك المصالح مع الحقيقة. فيُستبدل التبيُّن بالتصديق، والسؤال بالتلقّي، لا جهلًا بالنص، بل خشيةً من نتائجه.

وتتضاعف خطورة هذا المسلك حين تصدر الرواية ممّن أُلبسوا ثوب الثقة لعلمٍ أو مكانةٍ أو صورةٍ عامة؛ إذ تتحوّل الثقة من وسيلة أمان إلى أداة تسلّط، ويُعفى القول من المساءلة لا لقوته، بل لهيبة قائله. وهنا لا يُساء إلى شخصٍ بعينه، بل إلى مفهوم العدل نفسه.

وفي مثل هذه السياقات، لا يكون التشويه فعلًا عفويًّا، بل استجابة دفاعية؛ يُعاد فيها ترتيب الوقائع، وتُضخّم العيوب، وربما تُختلق التهم، لا حبًّا في الباطل، بل حفاظًا على صورةٍ يُخشى سقوطها، أو مكانةٍ يُراد لها أن تبقى مصونة ولو على حساب غيرها. ويغدو الصمت عن الظلم تعقّلًا، والتشكيك في الرواية سذاجة.

وقد يمرّ القارئ على مثل هذه النماذج في الواقع دون أن يتوقّف عندها طويلًا، لأنها لا تُقدَّم بوصفها قصصًا، بل بوصفها «تفسيرات»، أو «تحفّظات»، أو «نصائح». لكنها في جوهرها انحرافٌ هادئ عن العدل، لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا.

إن أقسى ما في هذا الانحراف أنه يُسقط الإنسان من غير بيّنة، ويُبرّئ الاتهام من غير مساءلة، ويجعل القرب معيارًا، لا الحق. وهنا لا يكون الظلم صاخبًا، بل مهذّبًا، ولا فظًّا، بل مبرّرًا، وهذا ما يجعله أشدّ رسوخًا وأطول أثرًا.

والعدل، في حقيقته، لا يخاصم أحدًا، ولا يتحيّز لأحد، ولا يُعلّق أحكامه على علاقاتٍ أو مصالح. فمن لم يحتمله عند الخلاف، فلن يحتمله عند الاتفاق، ومن لم يُعمله حين يجرحه، فلن يُنصف به غيره حين ينفعه.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي قائمًا، بلا صخب ولا اتهام: هل نريد الحقيقة كما هي، أم نريدها بالصورة التي لا تُربكنا؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي للضمير، وما سواه تفاصيل صغيرة.

بصمة اون لاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى